كلمات عظيمة عن فضل الصدقة مع ذكر بعض فوائدها العجيبة ..!‎

ملتقى الإيمان

:icon810:
الحمد لله العالم بما تخفي الضمائر. وما تحمله السرائر. والصلاة والسلام على النبي قدوة المؤمنين. وعلى الآل والأصحاب سادة المتقين.

إخواني المسلمين : ما نعيشه في أيامنا هذه من انتشار للفقر والغلاء والتعب والعناء في جلب لقمة العيش وطلب الزرق وهذا عمل فضيل جليل , بيننا أناس ليس لهم من يعيلهم أو يكادون لا يجدون ما يسد رمقهم لا يعلم حالهم إلا الله جل في علاه , هم إخواننا ونحن عنهم مسؤولون ولمن يريد أن يستوثق فليراجع الجمعيات الخيرية وليرى ما باتت تئن به ملفاتهم من الثقل , عصرنا مادي مجحف قاسي مليء بالفتن فلا يكاد الجار الغني بعلم عن جاره الفقير المعوز بل لا يعلم عن قريبه الفقير المحتاج فكيف بالبعيد المسكين.

حديثنا عن الصدقة , فهل فكرت أخي أن تكون من أهلها؟! وهل تفكرت يوماً في ثوابها وأثرها العجيب؟!

قال أبو ذر الفغاري رضي الله عنه: ( الصلاة عماد الإسلام، والجهاد سنام العمل، والصدقة شيء عجيب! والصدقة شيء عجيب! والصدقة شيء عجيب! ).

الصدقة! كنزٌ لا تصل إليه الأيدي.. وذُخرٌ لا تخاف عليه حوادث الأيام!

قال ابن مسعود رضي الله عنه: ( إن استطعت أن تجعل كنزك حيث لا يأكله السوس، ولا تناله اللصوص؛ فافعل بالصدقة! ).

أخي المسلم: فضل الصدقة عظيم.. وخيرها واصل لأصحابها في الدنيا والآخرة.. ولا تنسى أن ما يصلك من خير الصدقة؛ أكثر مما يصل من تصدقت عليه! فلا تظنن أن المسكين هو المنتفع بالصدقة وحده، فإنّ من ظنّ ذلك فهو جاهل بثواب الصدقة العظيم..

قال الشعبي : (من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته؛ فقد أبطل صدقته؛ وضرب بها وجهه! ).

وكان سفيان الثوري ينشرح إذا رأى سائلاً على بابه، ويقول : ( مرحباً بمن جاء يغسل ذنوبي! ).

وكان الفضيل بن عيّاض يقول : ( نعم السائلون؛ يحملون أزوادنا إلى الآخرة بغير أجرة! حتى يضعوها في الميزان بين يدي الله تعالى! ).

هكذا كان فهم العلماء الربانيين للصدقة؛ فإياك أن يغيب عنك هذا المعنى!

واسأل نفسك: هل دار في فكرك هذا المعنى في يوم من الأيام؟!

فإن الكثيرين يتصدقون، ولا يتذكرون مثل هذه المعاني.. وكان من الأحسن أن يعيشوا لحظات هذا العمل الجليل بقلوبهم؛ حتى يجدوا حلاوة العمل الصالح..

فإنّ الصدقة؛ بركة.. وتوفيق.. وخير.. وذخر.. وأصحابها هم أهل المعروف؛ وأسعدهم بها؛ أصدقهم نية.. وأعرفهم بشرفها..

فحاسب نفسك أخي: ما هو نصيبك من هذا الفضل؟! وكم فاتك منه؟!

ولا يفوتنّك أن تتأمل فيما جاء في فضلها من الآيات والأحاديث النبوية؛ ليكون ذلك حافزاً لك أن تكون من أهل الصدقة.. ومن المسارعين إليها..

قال الله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (268) سورة البقرة

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( اثنان من الشيطان، واثنان من الله تعالى، ثم قرأ هذه الآية: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً يعني: يأمركم بالطاعة والصدقة؛ لتنالوا مغفرته وفضله وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ يعني: واسع الفضل، عليم بثواب من يتصدق ).

قال النبي صلى الله عليه وسلم: { الساعي على الأرملة والمسكين؛ كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار! } .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أفضل الأعمال أن تُدخل على أخيك المؤمن سروراً، أوتقضي عنه ديناً، أو تطعمه خبزاً } .

أخي المسلم: إن الصدقة إذا كانت لله تعالى؛ فلا تستحقرنّ شيئاً منها.. فإن الله كريم.. يضاعف الحسنات.. فلا تنسى وأنت تتصدق أنك تتعامل مع الله تعالى.. المتفرّد بالأمر!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ما تصدق أحد بصدقة من طيّب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربُو في كف الرحمن، حتى تكون أعظم من الجبل! كما يُربِّي أحدكم فَلُوّه أو فصيله } .

قال ابن مسعود رضي الله عنه: ( إن رجلاً عَبَدَ الله سبعين سنة، ثم أصاب فاحشة، فأحبط عمله، ثم مر بمسكين فتصدق عليه برغيف، فغفر الله له ذنبه، ورد عليه عمل السبعين سنة! ).

ويقال: إن الحسن مرّ به نخاس ومعه جارية، فقال للنخاس: ( أترضى في ثمنها الدرهم والدرهمين؟! ) قال: لا! قال: ( فاذهب فإن الله عز وجل رضى في الحور العين بالفلس واللقمة! ).

فتصدّق أخي المسلم.. وثق بموعود الله تعالى.. فإنه لا يخلف الميعاد.. واعلم أنك ما من شيء تُخرجه لله تعالى؛ إلا وجدته أمامك مدّخراً.. فتصدق.. وأنفق،، وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم : { اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة } .

قال يحيى بن معاذ: ( ما أعرف حبة تزن جبال الدنيا إلا من الصدقة! ).

فأيقظ همتك أخي.. واطرد الشحّ والحرص من قلبك وابذل المعروف للمحتاج؛ فإنك لا تدري متى ترحل من الدنيا؟! فهل يسرّك أن ترحل بغير زاد؟!! فإنّ قليلاً تقدّمه اليوم؛ خير لك من كثير تخلفه! فقدّم لنفسك في كأس قبل الممات.. وكثرة الحسرات!

قال تعالى {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (10) (11) سورة المنافقون

فكم من أناس رحلوا من الدنيا بغير زاد! بعد أن تركوا الأموال.. وودّعوا النعيم! رحلوا بالحسرات.. ولزمتهم التبعات! فلا المال ليوم معادهم قدّموه.. ولا رحلوا به؛ بل لأهل الميراث تركوه!! فكأنك غداً خبرٌ من الأخبار.. وسَمَرٌ من الأسمار!


أَيا مَنْ عاش في الدنيا طويلاً *** وأفْنَى العُمْرَ في قيلٍ وقالِ
وأتعب نفسَهُ فيما سيفنَى *** وجمَّع من حرامٍ أو حلالِ
هَبِ الدُنيا تُقادُ إليك عفْواً *** أليس مصيرُ ذلك للزوالِ

أخي المسلم: ولا تقولن: إني إذا أنفقت افتقرت! فإن ذلك من وسواس الشيطان، كما مر معك ذلك.. فإن الصدقة؛ خير وبركة؛ فإنك كلما أخرجت شيئاً لله تعالى، عوّضك الله خيراً منه، مع ما ادّخره لك من الحسنات والثواب العظيم..

واستمع إلى وصية النبي صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه.. فقد وصّاه بقوله: { أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً } .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { ما من يوم يُصبح العباد فيه؛ إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعْط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعْط ممسكاً تلفاً } .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ما نقصت صدقة من مال.. } .

ولتعلم أخي؛ أنك لكي تكون من المتصدقين؛ لا يشترط أن تكون كثير المال؛ بل إن كل ما جادت به يداك فهو صدقة، وإن لقمة واحدة تطعمها لجائع.. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن خير الصدقة صدقة رجل قليل المال!

عن أبي هريرة أنه قال: ( يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ ) قال: { جُهدُ المُقلّ، وابدأ بمن تَعُول } .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { سبق درهم مائة ألف! } قالوا: يا رسول الله وكيف؟! قال: { رجل له درهمان؛ فأخذ أحدهما فتصدّق به، ورجلٌ له مالٌ كثير، فأخذ من عُرْض ماله مائة ألف، فتصدق بها } .

عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالصدقة، فما يجد أحدنا شيئاً يتصدق به؛ حتى ينطلق إلى السوق، فيحمل على ظهره، فيجيء بالمدّ، فيعطيه رسول الله ، إني لأعرف اليوم رجلاً له مائة ألف، ما كان له يومئذ درهم! ) .

وعن أم بُجيد رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد شيئاً أُعطيه إياه. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن لم تجدي إلا ظِلْفاً محرّفاً، فادفعيه إليه في يده } .

فتصدّق أخي المسلم ولو بأقل القليل.. وارج ثواب الله تعالى.. فإن القليل إذا أخرجته بنية صادقة؛ فهو خير من كثير يخرجه صاحبه بنية ضعيفة.. فكم من جائع اللقمة عنده أفضل مما حوته الدنيا! وكم من عار الثوب عنده أفضل من كل غال!

أخي المسلم: وإن من أبواب الخير العظيمة؛ أن يكون لك دين على أخيك؛ فتمهله حتى يتيسر له قضاؤه، أو تضع عنه بعضه، أو تتصدق عليه بجميعه.. فإن الكثيرين ينسون هذا الباب من الخير؛ فيفرّطوا في ثواب كثير!

قال الله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (280) سورة البقرة

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من سرّه أن يُظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ فليُيسر عن مُعسر، أو ليضع عنه } .

فإن ذلك من أسباب دخول الجنة.. فلا يفوتنّك هذا الخير العظيم!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسراً، فتجاوز عنه، لعل الله يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه } . وفي رواية للبخاري: { فأدخله الله الجنة! }.

أخي المسلم: ذلك خير عظيم تناله إذا يسّرت على أخيك المسلم في الدَّيْن، وهو عمل قليل تدرك من خلفه ذلك الثواب كله! فلا تكوننّ في ذلك من المغبونين! فحاسب نفسك أيها العاقل: أين أنت من ثواب الصدقة! ذلك الذُخر العظيم.. والثواب الكبير! ثم أخي المسلم لا بد أن تعلم أن فضائل الصدقة كثيرة وعظيمة.. وهي ثمار يجنيها المتصدقون!

فإليك فضائل وفوائد الصدقة؛ حتى تقف على شرفها..

أولاً: أنها تطفىء غضب الله سبحانه وتعالى وتدفع المكروه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السِّر تُطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر } .

قال ابن أبي الجعد: ( إن الصدقة لتدفع سبعين باباً من السوء! ).

ثانياً: أنها تمحو الخطيئة، وتذهب نارها كما في قوله صلى الله عليه وسلم : { والصدقة تطفىء الخطيئة كما تطفىء الماء النار } .

ثالثاً: أنها وقاية من النار كما في قوله صلى الله عليه وسلم : { فاتقوا النار، ولو بشق تمرة }.

رابعاً: أن المتصدق في ظل صدقته يوم القيامة كما في حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله يقول: { كل امرىء في ظل صدقته، حتى يُقضى بين الناس }. قال يزيد: ( فكان أبو مرثد لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو كعكة أو بصلة )، قد ذكر النبي أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: { رجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه } .

خامساً: أن في الصدقة دواء للأمراض البدنية كما في قوله صلى الله عليه وسلم: { داووا مرضاكم بالصدقة }.

يقول ابن شقيق: ( سمعت ابن المبارك وسأله رجل: عن قرحةٍ خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فقال: اذهب فأحفر بئراً في مكان حاجة إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرأ ) .

سادساً: إن فيها دواء للأمراض القلبية كما في قوله صلى الله عليه وسلم لمن شكى إليه قسوة قلبه: { إذا إردت تليين قلبك فأطعم المسكين، وامسح على رأس اليتيم } .

سابعاً: أن الله يدفع بالصدقة أنواعاً من البلاء كما في وصية يحيى عليه السلام لبني إسرائيل: ( وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم )

فالصدقة لها تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجرٍ أو ظالمٍ بل من كافر فإن الله تعالى يدفع بها أنواعاً من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم وأهل الأرض مقرون به لأنهم قد جربوه.

ثامناً: أن العبد إنما يصل حقيقة البر بالصدقة
كما جاء في قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (92) سورة آل عمران

تاسعاً: أن المنفق يدعو له الملك كل يوم بخلاف الممسك وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم : { ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً } .

عاشراً: أن صاحب الصدقة يبارك له في ماله كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: { ما نقصت صدقة من مال } .

الحادي عشر: أنه لا يبقى لصاحب المال من ماله إلا ما تصدق به كما في قوله تعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } (272) سورة البقرة .
ولما سأل النبي صلى لله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها عن الشاة التي ذبحوها ما بقى منها: قالت: ما بقى منها إلا كتفها. قال: { بقي كلها غير كتفها } .

الثاني عشر: أن الله يضاعف للمتصدق أجره كما في قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} (18) سورة الحديد . وقوله سبحانه: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (245) سورة البقرة .

الثالث عشر: أن صاحبها يدعى من باب خاص من أبواب الجنة يقال له باب الصدقة كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي في الجنة يا عبد الله، هذا خير: فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان } قال أبو بكر: يا رسول الله، ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها: قال: { نعم وأرجو أن تكون منهم } .

الرابع عشر: أنها متى ما اجتمعت مع الصيام واتباع الجنازة وعيادة المريض في يوم واحد إلا أوجب ذلك لصاحبه الجنة كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { من أصبح منكم اليوم صائماً؟ } قال أبو بكر: أنا. قال: { فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ } قال أبو بكر: أنا. قال: { فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ } قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله : { ما اجتمعت في امرىء إلا دخل الجنة } .

الخامس عشر: أن فيها انشراح الصدر، وراحة القلب وطمأنينته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثدييهما إلى تراقيهما فأما المنفق فلا ينفق إلا اتسعت أو فرت على جلده حتى يخفى أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها ولا تتسع
( فالمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه، فكلمَّا تصدَّق اتسع وانفسح وانشرح، وقوي فرحه، وعظم سروره، ولو لم يكن في الصَّدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبدُ حقيقياً بالاستكثار منها والمبادرة إليها وقد قال تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (16) سورة التغابن

السادس عشر: أنَّ المنفق إذا كان من العلماء فهو بأفضل المنازل عند الله كما في قوله صلى الله عليه وسلم : { إنَّما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل.. } الحديث.

السابع عشر: أنَّ النبَّي جعل الغنى مع الإنفاق بمنزلة القرآن مع القيام به، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : { لا حسد إلا في اثنين: رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل والنهار }، فكيف إذا وفق الله عبده إلى الجمع بين ذلك كله؟ نسأل الله الكريم من فضله.

الثامن عشر: أنَّ العبد موفٍ بالعهد الذي بينه وبين الله ومتممٌ للصفقة التي عقدها معه متى ما بذل نفسه وماله في سبيل الله يشير إلى ذلك قوله جل وعلا: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (111) سورة التوبة

التاسع عشر: أنَّ الصدقة دليلٌ على صدق العبد وإيمانه كما في قوله صلى الله عليه وسلم : { والصدقة برهان } .

العشرون: أنَّ الصدقة مطهرة للمال، تخلصه من الدَّخن الذي يصيبه من جراء اللغو، والحلف، والكذب، والغفلة فقد كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يوصي التَّجار بقوله: { يا معشر التجار، إنَّ هذا البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة } .

الحادي والعشرون : الصدقة تُطفئ حر القبور , كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إن الصدقة لتطفئ عن أهلها حرّ القبورّ! } .

الثاني والعشرون : الصدقة تقرِّبك من الله تعالى , قال عبدالعزيز بن عمير: ( الصلاة تبلغك نصف الطريق، والصوم يبلغك باب الملك، والصدقة تدخلك عليه! ).

الثالث والعشرون : الصدقة سبب في تيسير موقف الحساب يوم القيامة , قال عبيد بن عمير: ( يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قَطْ، وأعطش ما كانوا قَطْ، وأعرى ما كانوا قَطْ، فمن أطعم لله عز وجل، أشبعه الله؛ ومن سقى لله عز وجل، سقاه الله؛ ومن كسا لله عز وجل، كساه الله ).


أفضل الصدقات

الأول: الصدقة الخفية؛ لأنَّها أقرب إلى الإخلاص من المعلنة , وفي ذلك يقول جل وعلا {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (271) سورة البقرة
ومن هذا مدح النبي صدقة السَّر، وأثنى على فاعلها، وأخبر أنَّه أحد السبعة الذين هم في ظلِّ عرش الرحمن يوم القيامة، ولهذا جعله سبحانه خيراً للمنفق وأخبر أنَّه يكفر عنه بذلك الإنفاق من سيئاته

الثانية: الصدقةُ في حال الصحة والقوة أفضل من الوصية بعد الموت أو حال المرض والاحتضار , كما في قوله صلى الله عليه وسلم : { أفضل الصدقة أن تصدَّق وأنت صحيحٌ شحيحُ، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان كذا } .

الثالثة: الصدقة التي تكون بعد أداء الواجب , كما في قوله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ } (219) سورة البقرة، وقوله صلى الله عليه وسلم : { لا صدقة إلا عن ظهر غنى... }، وفي رواية: { وخير الصدقة ظهر غنى } .

الرابعة: بذل الإنسان ما يستطيعه ويطيقه مع القلة والحاجة , لقوله صلى الله عليه وسلم : { أفضل الصدقة جهد المُقل، وابدأ بمن تعول } ، وقال صلى الله عليه وسلم : { سبق درهم مائة ألف درهم }، قالوا: وكيف؟! قال: { كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله، فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها }

قال البغوي رحمه الله: ( والإختيار للرجل أن يتصدق بالفضل من ماله، ويستبقي لنفسه قوتاً لما يخاف عليه من فتنة الفقر، وربما يلحقه الندم على ما فعل، فيبطل به أجره، ويبقى كلاً على الناس، ولم ينكر النبي على أبي بكر خروجه من ماله أجمع، لَّما علم من قوة يقينه وصحة توكله، فلم يخف عليه الفتنة، كما خافها على غيره، أما من تصدق وأهله محتاجون إليه أو عليه دين فليس له ذلك، وأداء الدين والإنفاق على الأهل أولى، إلا أن يكون معروفاً بالصبر، فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر، وكذلك آثر الأنصار المهاجرين، فأثنى الله عليهم بقوله وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وهي الحاجة والفقر .

الخامسة: الإنفاق على الأولاد , قال صلى الله عليه وسلم { أربعة دنانير: دينار أعطيته مسكيناً، ودينار أعطيته في رقبةٍ، ودينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته على أهلك، أفضلها الدينار الذي أنفقته على أهلك } .

السادسة: الصدقة على القريب , كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيِّبٍ. قال أنس: ( فلما أنزلت هذه الآية: لَن تَنَالُواْ البِر حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ . قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنَّ الله يقول في كتابه لَن تَنَالُواْ البِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { بخ بخ مال رابح، وقد سمعت ما قلت فيها، إني أرى أن تجعلها في الأقربين }. فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول، فقسَّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه .

وقال صلى الله عليه وسلم: { الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة } ،

وأخصُّ الأقارب - بعد من تلزمه نفقتهم - اثنان:
الأول: اليتيم؛ لقوله جلَّ وعلا: فَلا اقتَحَمَ العَقَبَةَ (11) وَمَا أدرَاكَ مَا العَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَو إِطعَامٌ فِى يَومٍ ذي مَسغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذَا مَقرَبَةٍ (15) أَو مِسكِيناً ذَا مَتْرَبةَ . والمسبغة: الجوع والشِّدة.

الثاني: القريب الذي يضمر العداوة ويخفيها
فقد قال صلى الله عليه وسلم : { أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح } .

السابعة: الصَّدقة على الجار, فقد أوصى به الله سبحانه وتعالى بقوله: وَالْجَارِ ذِي القُرْبَى وَالْجَارِ الجُنُبِ وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر بقوله: { وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، واغرف لجيرانك منها } .

الثامنة: الصدقة على الصاحب والصديق في سبيل الله , لقوله صلى الله عليه وسلم: { أفضل الدنانير: دينار ينفقه الرجل على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله عز وجل } .

التاسعة: النفقة في الجهاد في سبيل الله سواء كان جهاداً للكفار أو المنافقين فإنه من أعظم ما بُذلت فيه الأموال
فإن الله أمر بذلك في غير ما موضع من كتابه، وقدَّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في أكثر الآيات ومن ذلك قوله سبحانه: (انفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْبِأَموَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) ،
ويقول عليه الصلاة والسلام: { أفضل الصدقات ظلُّ فسطاطٍ في سبيل الله عز وجل أو منحة خادم في سبيل الله، أو طروقة فحل في سبيل الله } ، وقال صلى الله عليه وسلم: { من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا } ،

ولكن ليُعلم أن أفضل الصدقة في الجهاد في سبيل الله ما كان في وقت الحاجة والقلة في المسلمين كما هو في وقتنا هذا، أمَّا ما كان في وقت كفاية وانتصار للمسلمين فلا شك أن في ذلك خيراً ولكن لا يعدل الأجر في الحالة الأولى

العاشرة: الصدقة الجارية وهي ما يبقى بعد موت العبد، ويستمر أجره عليه , لقوله صلى الله عليه وسلم : { إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له } .

وقال صلى الله عليه وسلم (سبع تجري للعبد بعد موته ، وهو في قبره : من علم علما ، أو كرى نهرا ، أو حفر بئرا ، أو غرس نخلا ، أو بنى مسجدا ، أو نهرا أكراه ، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته)

أاخواني : تلك هي الصدقة.. وذلك هو شرفها وفضلها.. فحاسب النفس: أين هي من ذلك كله؟!

واغتنم العمر في فعل الصالحات.. فإن قليلاً تُقدمه بين يديك اليوم؛ خيرٌ لك من كنز الأموال، والبخل بإنفاقها..

والله اسأل أن يجعلني وإياكم من المتصدقين والمزكين والراحمين وأن يتقبل منا أعمالنا سبحانه عزوجل.

والحمد لله تعالى.. وصلى الله وسلم على النبي محمد وآله والأصحاب..

منقول
24
72K

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

شرقاويه والعز ليه

تحياتي لكِم




*الغــــلا*
*الغــــلا*
جزاك الله خير وجعله في ميزان حسناتك
شرقاويه والعز ليه
تحياتي لكِم



ركايز
ركايز
لااله الا الله
جزاك الله خير الجزاء
**الدره الثمينة**
جزاك الله خير