PDA

عرض كامل الموضوع : قـصــــــــــــة مـدمـجــــــــــة ..لمن أراد أن يقرأها متتابعة .


تــيــمــة
11-03-2003, 20:06
http://hawaaworld.com/vb/files/3270/stamp6.gif

الجزء الأول : الأنامل السحرية ..

- حسين .. ضع هذا الشريط ..
وصدحت موسيقى هادئة في السيارة ... بدأت بعدها فتاة أجنبية ترطن بلغتها مترنمة في هدوء وحزن ..

- إلى أين آنسة غادة ؟؟
- توجه إلى القرطاسية ثم إلى محل لبيع الآلات الموسيقية ..
- أمرك ..
كان الطريق طويلا وخاليا من السيارات ... فشرعت غادة تنظر من النافذة إلى أطلال الجبال السامقة في تلك الظلمة ... والى الأفق الممتد من فوقها ... بينما أمسكت يدها بطرحتها لتغطي بها نصف وجهها ...

سرحت بعيدا مع ألحان الأغنية الهادئة وأطرقت برأسها إلى اليمين وهي تتمتم لنفسها :
اليوم ستلمسين بداية حلمك بأناملك السحرية .. لتضاهي بها هذه الألحان العذبة ..
اليوم ستعيشين في الجو الذي لطالما تقت إليه ... وسترحلين إلى عالم مرهف لا مثيل له على أرض الواقع ..
ثم أرتفع صوتها قليلا وهي تقول : يكاد قلبي ينفطر ...

وصلت السيارة إلى القرطاسية فأسرعت غادة بمغادرتها وابتاعت بعض أدوات الرسم بالفحم ثم خرجت بخطوات متعجلة لتعود إلى مقعدها ..

وهناك .. في ذلك المحل التجاري ... راحت يدها تتلمس الأسطح الخشبية المصقولة ... واحتارت في اللون الذي ستختاره .. أيكون الخشبي الغامق .. أم البني المحمر .. أم تراه يكون اللون الأسود اللامع ؟؟

وفي النهاية .. استقرت على أخذ البيانو الخشبي الغامق ... وبادرت إلى البائع لتعرف سعره .

- ياااااااااه .. إنه باهظ الثمن ..
- لكنك اخترت أجود الأنواع آنستي .. صدقيني لن تندمين على اختياره ... سيرافقك مدى الحياة .. ثم إن عليه ضمانا لمدة 3 سنوات ..
- لا بأس .. سآخذه ...
وامتدت يدها إلى الحقيبة .. وأخرجت النقود التي جمعتها طيلة خمسة أشهر لتدفعها للبائع ...
ثم قالت لنفسها ... ما أقسى هذه الحياة .... جهد خمسة أشهر .. يذهب في لحظة ... ليس عدلا ..

لكن فرحتها بالبيانو كانت قد غمرتها تماما .. حتى أنستها ثمنه الباهظ ..
وانطلقت إلى بيتها .. تحتضن قطعه المفككة في حجرها ... وتعد الثواني لتركيبه وتجربة صوته الساحر ..

وبعد أن انتهت من تركيب آخر قطعة .. قربت كرسيها الدوار منه .. ومررت أناملها على أزراره بحب ... وهي تنظر إليه نظرة حالمة ..

ثم قالت : علي أن أبدأ أولا بتعلم السلم الموسيقي .. ترى أي هذه الأزرار يمثل الدو ؟؟

وانهمكت في تدريباتها حتى النخاع .. وما هي إلا سويعات حتى وجدت أصابعها تتحرك برشاقة .. لتعزف لحنا سمعته في إحدى البرامج ... يقطر حزنا ورقة ...

فصارت تكرره وتكرره وتكرره ... وفجأة .. اتكأت بمرفقيها على البيانو وأمسكت رأسها بكفيها لينسدل شعرها إلى الأمام ....

وشرعت تبكي .............

ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

دونا
12-03-2003, 18:10
الجزء الثاني (هروب)

اقتربت يد حانية و ربتت على كتف غادة بينما همست صاحبتها قائلة:ما الأمر يا غادة؟
التفتت غادة في حركة سريعة إلى مصدر الصوت..و ما أن وقعت عيناها على وجه رهف الذي اكتسى قلقاً..حتى أشاحت برأسها بعيداً و هي تمسح بقايا الدموع من على وجنتيها...و من ثم تنهدت بقوة في محاولة يائسة لطرد تلك الذكريات الأليمة التي اجتاحتها...
عادت رهف تسأل مجدداً:غادة..ما بك؟..هل كنت تبكين..؟
حاولت غادة أن تطبع ابتسامة على شفتيها و هي تجيب:لا شيء..لا شيء يا رهف..
تطلعت رهف إلى غادة باستنكار مما جعل غادة تسرع معقبة:صحيح..انظري إلى البيانو لقد اشتريته اليوم..أليس جميلاً! لقد حرصت على اختياره من أجود أنواع الخشب....
مطت رهف شفتيها على مضض..بينما اعتدلت غادة على كرسيها الدوار..و هي تكمل:سأعزف لك لحناً لن تنسيه أبداً...
و مع آخر حروفها أخذت غادة تعزف على البيانو مقطوعة موسيقية هادئة..
ألقت رهف نظرة فاحصة على غادة و قالت:و ماذا ستفعلين بالبيانو ؟
ابتسمت غادة و هي ما تزال تعزف..و أجابت رهف قائلة:أنت تعلمين كم أحب العزف على البيانو..لقد كان حلماً من أحلامي أن أقتني واحداً..و لا أخفيك أنني أفكر في إعداد حفلة أدعو إليها صديقاتي..و عندها سأريهن براعتي في العزف..
تنهدت رهف و عقبت قائلة:و لما كل هذا..؟
تجاهلت غادة سؤالها و اكتفت بالصمت.. فعادت رهف لتكمل في عصبية:يكفي أرجوك توقفي..صوته يجلب لي الصداع..
ضربت غادة بكفها على مفاتيح البيانو فانطلقت نغمة قوية لا علاقة لها باللحن الذي كان يعزف قبل قليل..و تجمدت الأنامل السحرية..بينما بقي بصر صاحبتها معلقاً بسطح البيانو الخشبي..و غزت الدموع مقلتيها و هي تتمتم قائلة:لماذا تحاولين دوماً أن تحطمي سعادتي يا رهف...و كأننا لسنا أختين!...
بدت ملامح التعجب على رهف و هي تجيب قائلة:أنا يا غادة..؟كل ما في الأمر أن حالك يؤلمني..فمنذ الحادث و أنت تعيشين في عالم آخر..أهو هروب من الواقع..من الحقيقة..ماذا دهاك يا غادة؟
لم تعقب غادة بكلمة..فتنهدت رهف بدورها و قالت:لا فائدة منك..على كل اتصل عادل قبل قليل و هو قادم لرؤيتك..
نظرت غادة إلى رهف و عقبت قائلة:عجباً لما لم يتصل على هاتفي المحمول؟؟
أكملت رهف و هي ترفع خصلة انسد لت على جبينها قائلة:قال أنه وجده مقفلاً..لكنه بدا غاضباً ..
سألت غادة في تعجب:غاضب؟ ترى ماذا يريد؟
لكن رهفاً لم تجبها ...و مضت تصعد الدرج بخطا ثقيلة و هي تردد:اسمحي لي يا غادة فعلي أن أستعد لمتحان الغد..
رمقتها غادة بنظرة استنكار..ثم ألقت ببصرها على البيانو..بينما تسارعت نبضات قلبها بشكل جعلها تشعر بالقلق..
كل القلق..

****************************** ****
أتوقع أنه بردي..قد إتضح مغزى العنوان..
بانتظار جزء تيمه..
و سلام من القلب إلى زهرات واحتنا..

تــيــمــة
12-03-2003, 19:54
الجزء الثالث : الثنائي .. نظرت غادة إلى نفسها ... لم يعجبها ما ترتديه .. فهي من النوع الذي يقدس الأناقة ويقتبس منها الثقة بالنفس .. وذلك مع الجميع دون استثناء .. فكيف إذا كان الزائر هو خطيبها ؟؟

ولما كان عليها أن تفتح له الباب فقد سارعت إلى ارتداء شرشف الصلاة المهمل ليغطي ما تحته وركضت إلى الباب وقلبها يخفق بقوة ..

- السلام عليكم ..
ابتسمت غادة وهي تنظر إلى قطعة الجاتو الضخمة التي يحملها عادل وقالت :
- وعليك السلام .. لم هذا التعب ؟ تفضل ..
دخل عادل بخطوات بطيئة .. ووجهه لا يحمل أية تعبيرات .. مما جعل غادة تتساءل أكثر عما إذا كان غاضبا كما قالت رهف أم لا ..
- كنت تصلين ؟؟
تلعثمت غادة وهي تقول : نعم نعم .. انتظرني في حجرة الضيوف لو سمحت سآتي حالا ..
ثم راحت تثب وثبات رشيقة إلى غرفتها بعد أن تأكدت أنه لا يراها .. وبدأت رحلة التأنق التي حاولت جاهدة أن تقصرها قدر المستطاع ..

- تبدو شهية ..
- حقا ؟؟ يسرني ذلك ..
- أنت دائما مبتكر في هداياك ..
- هذا من ذوقك ..
شعرت برسميته غير المعتادة .. فبادرت إلى سؤاله بكل صراحة :
- عادل ..
- نعم ..
- قالت رهف بأنك كنت تبدو غاضبا عندما تحدثت بالهاتف .. هل فعلت شيئا يزعجك ؟؟
- ............
- عادل ..
- كلا .. إن رهف تبالغ دائما .. رجاء اطلبي منها أن توفر انطباعاتها لنفسها .. إذ دائما تسبب لك قلقا لا مبرر له ..
- عادل .. ماذا أصابك ؟؟ رهف لم تفعل ما يستحق كل هذا الانفعال ..
تنهد عادل بقوة .. وهو يحاول أن يقبض على ثورته بقبضته الحديدية ويعيد الى وجهه ذاك القناع الصامت من أي معنى ..
- أنا آسف .. يبدو أنني لست على ما يرام اليوم ..
- لكن ... ماذا حدث ؟؟
- بعد عودتي من العمل شعرت بضيق هائل يجثم على صدري .. وقلت لنفسي .. ليس هناك من يستطيع تسليتي وإسعادي الا غادة الحبيبة .. فأسرعت لشراء قطعة الجاتو .. ومن هناك اتصلت على هاتفك المحمول .. لكنه كان مغلقا .. واستمرت محاولاتي لنصف ساعة .. في النهاية .. اضطررت للاتصال بالبيت .. لكنهم أخبروني أنك لست موجودة .. مما ملأني غيظا وتعاسة .. ربما لهذا ظنت رهف أني غاضب .. هذا كل شيء ..
تمتمت غادة في تعاطف :
- عادل ..
نظر إليها عادل وبعينيه بحر من العواطف المتماوجة .. ثم أمسك بيديها وهو يقول في همس :
- لم أعد أحتمل الانتظار .. متى ستدخلين إلى القفص ؟؟
- عدنا ..
- أرجوك يا غادة .. فكري بالأمر جيدا .. لا أجد سببا واحدا لتأجيل الزفاف كل هذه المدة ..
حاولت غادة أن تهرب بوجهها من نظراته الفاحصة وقالت :
- الدراسة ..
- ما معنى الدراسة ؟؟ تستطيعين إكمالها في بيت الزوجية .. أقسم لك أن أوفر كل أسباب الراحة لك .. فقط وافقي ..
- أرجوك لنناقش الأمر فيما بعد .. تعال معي .. أريد أن أريك مفاجأة ..
وأمسكت بيده في مرح ثم راحت تسحبه بكل ما أوتيت من قوة .. لكنه ما تزحزح من مكانه ..
- كالجبل الراسخ ........ انهض ..
- أين قوة النساء التي يتحدث عنها الجميع ؟؟
وضعت يدها على خاصرتها وقالت :
- قوة النساء في كيدهن ..
قال بلا مبالاة :
- كيدي لي إذن ...
قطبت غادة حاجبيها في غضب مصطنع .. وعقلها يبحث عن حيلة ما .. ثم قفزت فجأة كقطة نحوه .. وراحت تزغزغه في كل مكان تقع يدها عليه .. فما لبث الجبل أن استحال إلى تل رملي هش .. وصاح بتوسل :
- كفى كفى .. أنا استسلم ..
ضحكت غادة قائلة :
- من الأقوى إذن ؟؟
- إن كيدكن عظيم .. عرفت نقطة ضعفي .. لكن اصبري علي .. عندما أدخلك إلى قفصي سأعرف كيف أوقفك عند حدك ..
- ولم لا تفعل ذلك الآن ؟؟
- لا زلنا مخطوبين ..
- كفاك مراوغة .. وهيا معي لأريك المفاجأة ..
- ما هي ؟؟
- شيء اشتريته .. تعال ... هيـــــــــــا ..
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـ


دونا .......... دورك .. :25:

دونا
13-03-2003, 03:58
الجزء الرابع(أسرار)
أسرعت غادة تعدو نحو غرفتها و من خلفها كان عادل..و مضت تصعد الدرجات في سرعة و رشاقة و ما أن وصلت غرفتها حتى استدارت نحو خطيبها و هي تقول:أغمض عينيك..
أجابها عادل و هو يحاول أن يجمع أنفاسه المتقطعة:و لماذا؟
لوحت غادة بكفيها في حماس و هي تجيب:عادل لا تجادلني..
ارتسمت ابتسامة صافية على ثغر عادل فأغمض عينيه مستسلماً و هو يتمتم:طلباتك أوامر يا أميرتي..
أطلقت غادة ضحكة جذلة..و من ثم اقتادت عادل إلى داخل غرفتها..و سارت به في أرجائها حتى وصلت إلى البيانو..
عندها همست لخطيبها قائلة: الآن افتح عينيك..
أجابها عادل ساخراً:هل أنت متأكدة..
أجابت غادة في دلال و طفولية:عادل! كف عن ذلك..
فتح عادل عينيه في هدوء..و ما أن وقع بصرة على تلك الآلة الموسيقية الضخمة حتى ظهرت عليه ملامح الدهشة..بينما أسرعت غادة تجلس على كرسيها الدوار و هي تسأل في لهفة :ما رأيك؟؟
لكن عادلاً لم يجبها
-عادل ما رأيك؟
-هــا عذراً غادة..
ابتسمت غادة و عادت تسأل:
-إلى أين مضت بك أفكارك..
-لا شيء..لكنني دهشت فحسب..ترى هل تجيدين العزف عليه..؟
-بالطبع و أنوي أن أبتكر مقطوعات أنافس فيها مقطوعات بتهوفن المشهورة...
-كنت أظنك تملكين موهبة الرسم و الجدال فقط و ها أنا اليوم أكتشف أنك عازفة مغرمة بالبيانو...
-حتى تعلم كم أنت محظوظ بي..فأنا جوهرة لا تقدر بثمن..و صاحبة أكثر الأنامل إبداعاً في هذا العالم.
-يبدو أن الغرور بدأ يغزوك..كفي عن المبالغة....
قطبت غادة حاجبيها في غضب و عقبت قائلة:سأثبت لك..سأعزف لك مقطوعة رائعة تجعلك تغادر إلى عالم الخيال..
-كلا أرجوك فأنا أريد أن أغادر إلى عملي..
نهضت غادة من كرسيها في حركة حادة و عقبت:مستحيل..ستتناول طعام العشاء معنا اليوم..
لكن عادلا أجابها و هو يغادر الغرفة:لا أستطيع يا عزيزتي..فلدي الكثير من الأشغال..
لحقت به غادة و عادت تكرر في إلحاح:
-أرجوك عادل أبقى من أجلي..أرجوك..لقد أعددت لحناً رائعاً سأعزفه لك عند العشاء..ستكون أمسية رائعة..
أجابها عادل و هو يمضي على الدرج بسرعة:
-صدقيني غادة لا أستطيع..أعدك أن أبقى للعشاء في المرة القادمة
-وعد؟
-وعد..و الآن هلا أحضرتي معطفي من غرفة الجلوس..سأنتظرك في فناء منزلكم..
أومأت غادة برأسها إيجاباً..و انطلقت لتجلب المعطف و ما هي إلا ثوان حتى كان المعطف ينسدل فوق كتفي عادل..
و قبل أن يمضي خارجاً التفت إلى غادة التي كانت تقف خلفه و باغتها قائلاً:غادة..هل تثقين بي..؟
أجابت غادة في انفعال:بالطبع..كيف لك أن تشك في ذلك؟!..
رمقها عادل بنظرة استنكار و عقب قائلاً:لطالما كنت واضحاً وصريحاً..فمنذ خطبتنا و أنا أفضي إليك بأسراري و تفاصيل حياتي..لقد جعلت من نفسي كتاباً مفتوحاً لك أن تقرئيه متى شئت..أما ما أعرفه عنك فهو لا يتجاوز صفحتين من عمرك.. ما الذي تخفينه عني من أسرار؟ ترى بما ذا ستفاجئنني بالغد..أحياناً أشعر بأنني عاجز عن فهمك..و أن بيننا الكثير من الأسوار التي لم تهدم بعد...هل تخشين دخول قفص الزوجية حقاً..أم أنك تخشين مني؟..
خيم الصمت لدقائق فهمت غادة بالمغادرة إلى غرفتها لولا أن عادلا سحبها من يدها..فارتفع جزء من كم قميصها وظهر من تحته حرقاً قاتم اللون..عندها سأل عادل غادة في قلق:غادة ما هذا؟
سحبت غادة يدها بسرعة..وغطت الحرق بكمها و هي تتمتم:لا شيء..ألم تقل بأن لديك الكثير من الأعمال..
رمقها عادل بنظرة فاحصة وسأل:هل أنت غاضبة..
أجابت غادة باقتضاب:و لما الغضب..فلا بد من الصراحة حتى لا تنهار علاقتنا..
-لكنك لم تجيبيني..
-...............
-على كل لن أغادر حتى أرى ثغر أميرتي يبتسم...
-.............
-هيا غادة..
رسمت غادة ابتسامة واهنة على شفتيها..و مضت خلف عادل لتودعه..و ما أن رحل بسيارته..حتى أشاحت بالكم عن يدها..و من ثم أخذت ترمقه في حزن..و هي تتمتم :لا بد أن أذهب غداً إلى أخصائية تجميل..فعلي أن أتخلص من هذا الحرق..فبقاءه يذكرني بالحادث..و أنا لا أريد لعادل أن يعلم بشأن ما حدث..
مضت غادة تغادر نحو غرفتها بخطى ثقيلة..و إذا بها تحس بشيء تحت قدمها..فانحنت لتحمله..لقد كان ظرفاً ..
تفحصته غادة في استنكار ثم تمتمت قائلة:لا بد أنه سقط من معطف عادل..لا بأس سأعطيه إياه متى حضر لزيارتي..
ثم صمتت للحظة وظل بصرها معلقاً بالظرف بينما حار سؤال في أعماقها
-ترى هل أعرف عن عادل كل شيء حقاً؟..


****************************** ****************

عطاء - نور الشمس - كلمة سر - فتاة اللغة العربية - احلام اليقظة

لكن مني ارق تحية مع شكر جزيل على تشجيعكن لنا .. وكما قالت تيمه

ارجوا ان تغفروا لنا في حال فشلت هذه المحاولة

اكرر شكري وامتناني لمبدعات الواحة

في امان الله .. :27:

تــيــمــة
16-03-2003, 00:40
الجزء الخامس : كابوس ..

صوت الموسيقى ينساب بنعومة .. يخالطه صوت محرك السيارة .. وهمهمات لعاشقين وصلا لذروة الحب والهيام ..
يتلو ذلك بثواني صوت صراخ وارتطام شديدين ..
( ربيـــــــــــــــــــع .. ربيـــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــع )
نداء أنثوي يقطع الفؤاد .. مفعم بالحرقة والارتياع .. صورة يد محترقة تمتد في استنجاد تتخللها سحب ضبابية .. وتمسك بقطعة من قميص رجالي ملوث بالدم .. وذو أطراف محترقة ..

( أخرجوه .. أرجوكــــــــــــــــم .. )

..........
هنا .. استيقظت غادة من نومها لتجد نفسها متشبثة بغطائها ... بينما غرقت وسادتها بالدموع ..
جلست في إعياء وهي تمسح دموعها ... وراحت تستعيد حلمها الأليم .. الذي ما فتئ يزورها من حين إلى حين ..

مدت يدها إلى زر المصباح لتضيئه ... وفوجئت بأن الساعة ما تزال الثانية صباحا .. أي أنه ما زال عليها أن تنام 5 ساعات إضافية ... فتنهدت بقوة وهي تتمتم :
- لا سبيل إلى النوم الآن .. ماذا أفعل ؟؟
قلبت بصرها تبحث عن شيء ما تضيع به وقتها ريثما يعاودها النوم .. فتوقفت عيناها عند جهاز التسجيل .. حيث يقبع جواره شريط أثير إلى قلبها .. حاولت عدة مرات أن تتخلص منه لكنها لم تستطع .. أزاحت الغطاء جانبا ونهضت تقدم خطوة وتؤخر أخرى .. حتى وصلت إلى الشريط .. فأمسكت به برهبة .. ثم وضعته في الجهاز .. وأخذت تستمع .. فما لبثت دموعها أن عاودت الانهمار ..

استدارت إلى خزانة ملابسها .. وأخرجت كيسا بلاستيكيا .. يحوي قطعة قماش ذات أطراف محترقة .. وأخذت تملي عينيها منه وقد غطت على بصرها غشاوة من الدمع ..

ثم انتفضت فجأة .. وقالت لنفسها باستنكار :
- إن هذه لخيانة صريحة لعادل .. ويحي ما الذي أفعله ؟؟
ثم ألقت بالكيس داخل الخزانة .. وركضت إلى جهاز التسجيل فأغلقته .. ثم تنهدت ..

( لماذا أحاول دائما أن أجدد الألم وأنكأ الجرح ؟؟ كل الناس يهربون من الذكريات الأليمة .. ويحاولون طمسها بتجديد حياتهم وإدخال البهجة عليها .. أما أنا .. فلا أعيش إلا معها .. ولا أبحث إلا عنها .. رغم توفر أسباب السعادة لي ......... )

وارتفع صوتها وهي تقول :
- أففففففف .. أليس هناك ما يزيل عني هذه الكآبة ؟؟
وفجأة .. اتجه نظرها صوب ركن قصي في حجرتها .. كانت قد وضعت فيه شرشف الصلاة ذا اللون الأرجواني .. وخيل إليها أنه يضيء بنور غريب وسط عتمة حجرتها .. فأخذت تقترب منه رويدا رويدا .. وسمعت صوتا يلامس شغاف قلبها .. وينادي باسمها : ( تعالي إلي .. تعالي .. فلدي كل ما تبحثين عنه .. ) وصلت إليه وامتدت يدها .. لكنها ما كادت تلمسه حتى ارتدت يدها في عنف وهي تقول بتذمر : اووه أنا لا أصلي فروضي .. فكيف أصلي النافلة ؟؟؟
وعاد الصوت ليقول ( وما يضرك أن تجربي .. فلعل تجربتك هذه تدفعك لأداء كل فروضك بعدها .. اقتربي مني .. أعدك أن تجدي راحتك بين جنباتي )
شعرت بالحنين يجرفها .. وأحست بالحزن على نفسها يطغى ليصل للذروة .. لكنها أبت وكابرت .. وخافت أن يعاودها النداء .. فهربت إلى سريرها للتو .. وشرعت تراود النوم عن نفسه مرارا .. حتى أسلمها القياد .. فغابت في لججه .. وأبحرت فوق أمواجه .. لترى نفسها تقف أمام البيانو الضخم .. وقد تحول إلى قطعة هلامية برزت من وسطها أزراره البيضاء على شكل أنياب حادة .. فاتسعت عيناها وعجلت بالهروب .. فما كان منه إلا أن لاحقها .. وأثناء هروبها سقطت في حفرة مظلمة لتجد نفسها جوار إنسان مسجى تشتعل أذناه نارا .. ويطفح وجهه بالرعب والألم .. فاقتربت منه قليلا لتتعرف عليه .. فإذا به ربيع .. وإذا بيده تتشبث بيدها لتنقذه .. فيحترق معصمها من أثر مسكته .. وتصرخ وهي لا تدري أتهرب منه أم تدنو وتنقذه .. وبينما هي كذلك إذ ظهر فجأة عادل بقوام هائل لم تعهده .. وضرب جسدها بكلتا يديه صارخا : ابتعدي يا فاجرة ..

فطار جسدها عاليا .. وراح يهوي في هاوية سحيقة .. إلى أن استقر فجأة على قطعة قماشية .. أرجوانية اللون .. التقطته وطارت به ثانية كبساط الريح .. ونظرت غادة إليها بدهشة تمتزج بالامتنان .. فرأتها تنظر لها بعتب حنون .. ثم تلفها بالكامل .. ليعم الظلام .. ويهدأ كل شيء ...

ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ

أتمنى أن أستطيع المتابعة في أقرب فرصة .. الآن يا دونا أصبحت ظروفنا متشابهة .. ولن تكوني الوحيدة التي تتأخر .. :11:

دونا
17-03-2003, 22:10
الجزء السادس (طيف الماضي)

ألقت رهف نظرة متفحصة على غادة و تمتمت في خفوت:حمداً لله....إنها نائمة..
سحبت رهف خطواتها في بطء شديد و اتجهت بها نحو المسجل الضخم القابع في أحد أركان الغرفة..و ما أن وصلت إليه حتى أخرجت شريطاً من جيب سترتها...لتضعه في عجل داخل ذلك الجهاز بعد أن أخرجت الشريط الذي كان يبيت داخله ليستقر بدوره في جيبها..
تنهدت رهف و هي تحدث نفسها بصوت منخفض قائلة:حمداً لله...كل شيء على ما يرام..
(( رهف...ماذا تفعلين هنا؟))
التفت رهف نحو غادة بحركة حادة و قد بدت عليها علامات الارتباك..و أخذت تسرق النظرات من هنا و هناك حنى وقع بصرها على قطعة القماش الأرجوانية..فأسرعت تجيب أختها في عجل: فكرت في أن آخذ شرشف صلاتك حتى أغسله مع شرشفي...
اعتدلت غادة على سريرها..و مررت كفيها بين خصلات شعرها المتشابكة..و قالت في كسل: لا داعي لذلك..فأنا ..
بترت عبارتها فجأة و عقبت قائلة:لا بأس..أنا لا أمانع..
أسرعت رهف تحمل تلك القطعة الأرجوانية بين ذراعيها لتتخذ منها عذراً يسمح لها بالمغادرة...
تثاءبت غادة في تثاقل و ألقت نظرة على ساعتها...فهتفت قائلة:يا إلهي لقد تأخرت على الجامعة..
ألقت غادة نظرة أخرى على ساعتها و أكملت:لا بأس سأتغيب اليوم..
مع آخر حروفها سمعت غادة صوت تساقط المطر..فهرعت إلى النافذة و فتحتها..ومن ثم أخذا نفساً عميقاً..لتتغلغل رائحة المطر في جميع جوارحها...بينما تكونت سحب ضبابية من الماضي أمام عينيها...و تطايرت عبارات عتيقة إلى عقلها...
((ربيع...ما الذي دهاك ؟ منذ الحادث و أنت تتحاشى رويتي أو حتى محادثتي...
-........................
-ثم ما هذا الظلام الذي يعم المكان...بالكاد أرى ما تحت قدمي...
-أحيانا يكون الظلام أفضل من النور...
-كف عن ذلك....سأفتح الستائر...
-كلا لا تفعلي...
-لما لا؟
-لا أريد أن تمحى صورتي السابقة من ذهنك...
-ربيع...
-لا بد أن نفترق..
-لا تقل هذا أرجوك..
-كفي عن المثالية..لماذا نخدع أنفسنا؟...كيف لك أن تعيشي مع إنسان لم يبقى منه سوى الرماد...كيف لك أن تنظري إلى وجه بلا معالم...كيف لك أن تحلمي بجوار رجل أقصى آماله أن يبيت تحت التراب...لم أعد من
تعرفين...لقد حولني الحريق إلى وحش...))
تساقطت دموع حارة من عيني غادة...بينما هبت نسمات قوية أ طارت بخصلات شعرها لترتطم بوجهها..مما أجبر غادة على العودة إلى الواقع...
ارتفع صوت رنين الهاتف فجأة..فأسرعت غادة إليه في محاولة يائسة لتحرر من قيود أرقتها..و رفعت السماعة..و ما أن قربتها إلى إذنها حتى سمعت صوت عادل يقول:السلام عليكم...
هتفت غادة:عادل؟!
-كيف حال أميرتي؟
-بخير ما دمت بخير...
-لن أطيل عليك فلدي الكثير من المشاغل..هل تركت مظروفاً عندك البارحة؟؟
-آه..نعم يبدو أنه سقط من جيب معطفك...
-حمداً لله...خفت أن تفوتني الرحلة..
-أي رحلة؟
-نسيت أن أخبرك بأنني سأسافر اليوم..
-و هل هذا أمر ينسى؟!
-كنت أنوي إخبارك البارحة..لكن ابتسامتك العذبة أنستني كل شيء
-أنت دائماً هكذا..تفحمني بلباقة..
-أخيرا اعترفت بذلك..هل تستطيعين أن ترسلي لي المظروف فهو يحوي تذكرة السفر..؟
- لا تقلق سأرسلها إلى مكتبك مع حسين..إلى اللقاء الآن..
-إلى اللقاء..
انطلقت غادة تنزل الدرج وهي تحمل ذاك الظرف بأطراف أصابعها..و من ثم فتحت الباب الرئيسي و أخذت تنادي حسين من خلفه رغم أن المطر لم يتوقف..و ما أن ظهر أمامها حسين حتى أعطته الظرف و أمرته أن يوصله إلى مكتب عادل...عندها وضع حسين طرداً أم الباب فسألته قائلة:ما هذا ؟
-لقد وصل بالبريد يا آنستي...
-لا بأس..ناولني إياه..
-تفضلي..آنستي..
أمسكت غادة الطرد بين كفيها...وقلبته بحثاً عن اسم المرسل...و ما أن وقع يصرها على ما كانت تبحث عنه حتى تسمرت في مكانها..و اكتست ملامحها بثوب من الدهشة...بينما ردد لسانها:
مستحيل...
لقد مرت ثلاث سنوات...
مستحيل...
ربيع..

**************************
غداً أول امتحاناتي..لا تنسوني من دعواتكن...:(
-----------------------
تيمه ...بانتظار الجزء السابع...لا أخيفك أنا متشوقة لما ستكتبين...حاولي أن لا تتأخري..
***********************
:o

تــيــمــة
24-03-2003, 18:02
والله ماني عارفة أودي وجهي منكم فين .. :29:

ولدي حرارته مرتفعة .. لذلك اعذروني ان كان جزئي لن يوفي بحق كل هذا الانتظار .. وأتمنى من الله أن تكون ظروفي في الأيام القادمة أفضل ... باذن الله ..

ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ

الجزء السابع : قلق

مرت أكثر من نصف ساعة ... والطرد لا يزال مغلقا .. وموضوعا على مكتب غادة بينما تتأمله هي في ريبة ...

دارت بها الأفكار .. ووضعت ألوف الاحتمالات لما يمكن أن يحويه هذا الصندوق الصغير .. لكنها لم تتجرأ أن تفتحه وتوقف هذا التيار المزعج من القلق ..

وبينما هي تجوب بعقلها في ردهات الماضي .. اذ دخلت والدتها فجأة مما جعلها تنتفض بعنف .. فقالت الأم :
- بسم الله الرحمن الرحيم ... هل أفزعتك ؟؟
ابتسمت غادة في لطف وقالت :
- لا أبدا ... لكنك فاجأتني ... مرحبا بك أمي ... منذ زمن لم تدخلي غرفتي ...
- وأنا منذ زمن لم أرك تخرجين من غرفتك ... لماذا تحبسين نفسك فيها كالراهبات ؟؟ أليس لي حق عليك ؟؟ رغم الوحدة وبعد أخيكما عني إلا أنكما لا تهتمان لكل ذلك أنت ورهف ...

شعرت غادة بشيء من الضيق لما اعتادته من تذمر أمها دون انقطاع ... وهذا ما جعلها تهرب من مجالستها ... لكنها شعرت أيضا بوخز الضمير فقالت :
- نعم معك حق .. أنا آسفة .. تعرفين كم أحب غرفتي ... لكنني لا أفهم لم لا تأتي أنت وتجلسين فيها معي ..
- أوووه .. كنت أعرف بأن الحوار لن يجدي معك ... دعك من هذا الآن فأنا أريد إخبارك بشيء يخص رهف ..
- رهف ؟!!
- أجل يا ابنتي ... لقد اتصل أخوك اليوم ليخبرني أنه وجد لها عريسا ..
قالت غادة بفرح :
- حقا ؟؟؟؟ هذا رائع جدا يا أمي ..
قاطعتها الأم بلهجة بادية الحزن قائلة :
- لا تفرحي كثيرا يا غادة .. فالعريس متزوج ..
بدت الخيبة على وجه غادة وسكتت لبرهة ثم قالت :
- هل هذا يعني أنك لن توافقي ؟؟
هتفت الأم بغضب :
- بالطبع لن أوافق .. ابنتي لا يعيبها شيء حتى تتزوج من رجل متزوج .
- أمي .. لا تندفعي كثيرا وراء عاطفتك وتقولي أشياء ليست صحيحة .. أنت تعلمين أن بدانة رهف تقف عائقا أمام طريق كل من يخطبها .. وهاهي تبلغ الخامسة والعشرين ... وقلما تجدين عرسانا يلائمونها سنا ... أمي ... لا تكوني السبب في تعاسة رهف وأنت تظنين أنك تريدين سعادتها ..
قطبت الأم حاجبيها في استنكار شديد .. ثم قالت :
- ما الذي أسمعه منك يا غادة ؟؟ هل تعقلين ما تقولين ؟؟ أم أن غرورك جعلك لا تفكرين إلا بنفسك وبسعادتك ... ألا يهمك شأن أختك ؟؟؟ كيف تريدينني أن ألقي بها في أحضان أول خاطب أيا كانت مواصفاته لمجرد ألا يفوتها القطار ؟؟

استشاطت غادة من الغضب حين سمعت اتهامات أمها الظالمة .. لكنها حاولت أن تتماسك قليلا وألا يعلو صوتها على والدتها ... فصمتت لمدة طويلة .. لكن أمها لم تمهلها لكي تهدأ .. بل راحت تكيل لها اللوم والتقريع .. مما جعلها تزمع السكوت التام .. وعدم إبداء رأيها الذي قتل في المهد .. وظلت على صمتها ذاك .. حتى أفرغت أمها كل شحنات الغضب في غرفتها .. وتابعتها بنظرها وهي تمضي خارجا .. ثم ألقت برأسها على الوسادة بعنف .. وأرسلت دموعها على خدها .. لا يوقفها شيء ..

شعرت بعاطفة جياشة تجاه أختها الكبرى رهف .. وتمنت لو كان الأمر بيدها .. لكن عقلية أمها لا يمكن أن تتغير .. لابد من فعل شيء ما .. لابد ..
وفكرت بأن تخبر أختها بالأمر قبل أن تعلن أمهما الرفض لهذا العريس دون علم رهف .. فقفزت من مكانها .. لكنها ما لبثت أن تسمرت خطواتها أمام الطرد الذي ظل ينتظر فوق المكتب .. فعادت الى دوامة القلق .. ومدت يدا مرتجفة إليه .. لتفتح شرائطه .. وتزيح الغطاء عنه ...
ومن أعماقه تلألأ فستان تفاحي رائع .. قد وشي بخيوط فضية باهتة .. رفعته غادة بانبهار .. لتكتشف أنه عاري الأكتاف والصدر إلا من خيطين رفيعين .. وقد ارتفع ذيله حتى تخطى الساق ..
والى جواره في الصندوق .. قبعت بطاقة متناهية في الصغر .. تحوي رقم جوال وكلمتين ليس إلا :

هــلا الـتـقـيـنـا ؟؟

ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـ

دونا
27-03-2003, 23:41
تيمه ..رائع أنت على النت الآن..
هذا جزئي..
عذراً فقد كتبته على عجل..
الجزء الثامن (وجوه)
ألقت غادة نظرة مطولة على الفستان..و تمتمت في نفسها قائلة :هل هو ربيع حقاً..؟
إنه يعلم أنني أحب هذا اللون...لا بد أنه هو..ترى لماذا يريد أن يراني..؟
شعرت غادة بالاختناق..لقد تجمعت الأفكار في رأسها..لوهلة ظنت أنها ستنفجر و تتحول إلى أشلاء..
عندها نهضت مسرعة إلى صديقها العزيز..إلى البيانو..و بدأت بالعزف....موسيقى حزينة ملأت أرجاء الغرفة..
مرت الدقائق تجر خلفها الساعات لكن غادة لم تتوقف..بل أصبحت تتمايل مع النغمات الصادرة من مفاتيحه البيضاء و السوداء..
و بينما هي كذلك..إذا بباب غرفتها يفتح بقوة ليرتطم بدوره على الجدار..توقفت غادة في حركة تلقائية..و استدارت نحو الباب و هتفت:رهف..ما هذا..؟
تحركت رهف في عصبية زائدة و اتجهت نحو غادة و هي تهتف بصوت متمرد:هل هذا صحيح؟
تطلعت غادة نحو رهف في تعجب و سألتها بدورها:عما تتكلمين؟
أمسكت رهف كتفي غادة بقوة و هي تكرر:هل تريد أمي أن تبقيني هنا للأبد؟
أشاحت غادة ببصرها بعيداً و هي تتمتم:هل استرقت السمع كعادتك يا رهف..؟
أبعدت رهف كفيها عن كتف غادة و هي تعقب:و هل هناك ما أفعله؟؟..
ثم ألقت نظرة حاقدة غاضبة على غادة..فقامت تلك الأخيرة تربت على شعر أختها في حنان و هي تقول:أمي أعلم بمصلحتك..رهف..صدقيني سيــ...
صرخت رهف في وجهها قائلة:غادة أبعدي يدك عني..أبعديها هيا..
تنحت غادة في حركة حادة و عقبت في استنكار:رهف؟!
تطلعت رهف إليها و عيناها ما زالت تحمل شظايا الحقد و الحسد و من ثم قالت و صوتها يعلو شيئاً فشيئا..
:أكرهك يا غادة..أكرهك..لطالما كنت فتاة البيت المدللة و المحبوبة..خصوصاً من أمي..لما ؟..هل لأنك الأجمل لقد دمرت حياتي يا غادة..حجبت عني بنورك ضوء الشمس..و سرقت مني بهجة الحياة..كلما أنظر إلى شعرك المنسدل..إلى رشاقتك..إلى ملامح وجهك..أشعر بالعجز..بالفشل..و أهمس لنفسي أختي الصغرى ستكون أماً عما قريب..و أنا..لا شيء...الكل يقارنني بك.. أمي صديقاتي..الكل يطالبني أن أكون مثلك..كم مرة سمعتك تضحكين بصحبة عادل..تمنيت أن أكون مكانك...كل ما أملكه هو الأحلام و الأماني..أما الواقع فهو ملكك لوحدك..
لن تملي علي أمي رغباتها..لا يهمني أن أتزوج رجلاً ذا مكانة مثل عادل..لا يهمني كلام الناس..كل ما أريده أن أعيش..و لن أسمح لكائن من كان أن يسلبني حياتي...
انطلقت رهف تغادر الغرفة و قد تركت غادة في وضع لا تحسد عليه..تساءلت في أعماقها..هل هذه رهف؟؟..هل هي أختي التي عهدتها بجانبي تواسيني؟؟...ماذا دهاها..ما الذي صنع بيننا هذه الحواجز؟؟...هل كانت تقاوم دوماً تلك المشاعر...هل كانت تلبسها ثوب الحنان رغماً عنها...منذ متى تكرهني؟؟أنا لا ذنب لي..ذنب من إذاً أهو ذنب أمي...؟
لوهلة أحسست أنني أرى وجهين مختلفين وجه أخت ..و وجه عدوة..لما يا رهف؟..
أطلقت غادة دموعاً محبوسة..و رمت بنفسها فوق سريرها..و شعرت برائحة الياسمين تفوح من ذلك الفستان..رفعت رأسها و تلمسته بأطراف أصابعها..و همست في ضيق: أكاد أنفجر..
تسللت نغمات المسيقى الحزينة إلى أذنيها من دون عزف..فهزت غادة رأسها بقوة..و و ضعت يديها على مسمعيها..عندها تتالى شريطا من الذكريات في مخيلتها..لتقف عند كلمتين..هلا التقينا؟..
هلا التقينا؟؟..
لم تشعر غادة بنفسها إلا و هي تردد هلا التقينا؟؟
أمسكت غادة بهاتفها الخليوي في محاولة للهروب..و ضربت أصابعها الأرقام في توتر ..و انتظرت وهلة و إذا بصوت يجيبها:كنت واثقاً بأنك ستتصلين..
صمت غادة و أخذت تحلل هذا الصوت القديم..لتهتف:ربيع..
أطلق ربيع ضحكة قصيرة و عقب:بالطبع ربيع من كنت تظنين؟
-لقد مرت ثلاث سنوات..
-لقد كنات أكثر من ذلك بكثير بالنسبة لي على الأقل..
-......
-ماذا بك..أنا ربيع فعلاً..معك حق أن تشك بذلك فقد..
قاطعته قائلة :ربيع أنا مخطوبة..
-أعلم ذلك..عادل أليس هذا اسمه.؟
-لماذا عدت؟؟
-لأني ما زلت أحبك..
-ربيع أنت من تركني..
-و ها أنا أعود..غادة لقد أجريت عمليات جراحية عدة...لو رأيتني الآن لما عرفتني..لقد بت شخصاً آخر..كل هذا لأنني أردت أن أراك ثانية...
-لكنك ما زلت تحتفظ بصوتك..
-كنت واثقا أنك لن تنسيني..لو لم يكن لي مكان في قلبك لما اتصلت بي..
-ربيع أنا مخطوبة..هل تعي ذلك..؟
-أعلم ذلك..كل ما أريده أن تكوني صديقتي..نتحدث عبر الهاتف..نتبادل الرسائل عبر الإنترنت...
-و نتقابل..؟
-أنا لا أطلب سوى صداقتك..ما رأيك يا غادة القلب و الروح؟؟
****************************** *****************************


في أمان الله..

تــيــمــة
31-03-2003, 18:53
الجزء التاسع : أوحال .. مرت الأيام رتيبة خاوية ... انقطعت فيها غادة عن الذهاب للجامعة ... وأغلقت جوالها وانعزلت في غرفتها .. لا يؤنسها في وحدتها سوى البيانو الأثير وفرشاة الرسم الحبيبة ..

أوحت لها الأحداث برسومات رهيبة .. فكانت كلما نظرت إلى لوحاتها تسري القشعريرة في بدنها .. وتشيح بوجهها عنها .. لقد كانت ناطقة بالحياة ..

أما ربيع فاحتار في الوصول إليها .. وعاش تلك الفترة قلقا من ردها الذي لم يصله بعد .. إذ طلبت منه أن يعطيها فرصة للتفكير ..

ونظرا لهذا الحال المزري فقد رأت غادة بأن عليها أن تكسر الروتين وتفعل شيئا ممتعا يعيد إليها حيويتها ويكون ملاذا لها من نهش الأفكار الموجع ..
لذا سارعت بإخبار أمها أنها على وشك إقامة حفل ضخم لصديقاتها .. واستغرقت عدة أيام ريثما تجهز كل شيء .. ثم قامت بدعوة صديقاتها .. وأخبرت رهف أن بإمكانها أن تدعو من تشاء هي أيضا .. لكن رهف لم تكن كثيرة الصديقات مثل غادة .. بل فضلت إقامة علاقات قليلة وراسخة .. لذا .. لم تدع سوى سامية .. أخلص صديقة لها ..

وفي اليوم الموعود .. وقبل حضور الضيوف ... كانت غادة على أتم استعداد لمهرجانها الضخم .. ولنلق نظرة سريعة على مظهرها ومظهر المنزل بالعموم ..

ارتدت غادة الفستان الذي أهداها ربيع إياه .. مما أثار استياء رهف كثيرا .. إذ كشف الفستان عن جزء من فخذ غادة .. وأظهر مفاتنها بشكل وقح .. فبدت كراقصة في ملهى ليلي ..

لكن غادة لم تأبه لتعليقات رهف اللاذعة .. إذ أن ثقتها بنفسها كانت تتخطى نظرة الآخرين لها بمراحل ..
واكتفت بالتجاهل التام ..

أما غرفة الضيوف فقد أخرجت بعض الأرائك من صدرها ليحل محلها البيانو الضخم وقد زينته شرائط وورود مجففة وردية اللون ..

وضمت طاولة الطعام في غرفة أخرى صنوفا شهية من الطعام يسيل لمرآها اللعاب ..

باختصار كان كل شيء جاهزا تماما ..

وبدأت الفتيات بالتوافد .. وضجت الغرفة بالأصوات الهازلة .. وما لبث صوت البيانو أن ارتفع بعد إلحاح الفتيات على غادة أن تعزف .. عندها هربت رهف إلى غرفتها لتتصل بسامية التي تأخرت ..
- آلو
- السلام عليكم ..
- وعليكم السلام ورحمة الله .. لماذا تأخرت ؟؟
- سأخرج الآن ..
- أسرعي أرجوك .. أكاد أختنق من الوحدة ..
- حسنا .. أنا قادمة ..
وصلت سامية .. فعم الهدوء .. وسلمت الفتيات عليها برسمية .. وبدى واضحا أن وجودها غير مرغوب إطلاقا ..

لكن سامية كانت ألطف مما يجب .. واحتوت الجميع ببسمتها الصافية رغم النفور الواضح في العيون .. ثم جلست في أحد الأركان .. وأخذت تنظر إلى البيانو بصمت ..

على أن الأمور لم تسر على ما يرام .. إذ سرعان ما قالت فتاة خبيثة تدعى سارة :
- غادة بدأنا نشعر بالملل .. ألن نمرح قليلا ؟؟
كانت ترمي إلى الرقص .. وقد تعمدت ذلك لأنها تعلم أن سامية تعتقد بحرمة الموسيقى .. فأرادت إغاظتها ..
ولم تكن غادة بأقل خبث منها .. فقد فهمت مقصدها على الفور فركضت لإحضار المسجل ..
وسرعان ما تحول المكان إلى قاعة رقص ..

وتعالت الصيحات عندما توسطت غادة الغرفة وأخذت ترقص باحتراف .. وتميل يمنة ويسرة .. فيرتفع فستانها القصير أكثر فأكثر لتظهر ملابسها الداخلية من تحته ...

ومن بين أصوات التصفيق والصراخ صدرت همهمات غاضبة من قبل سامية .. ثم همست لرهف :
- ألا يوجد مكان آخر نهرب إليه من هذا الدعر ؟؟
كان وجه رهف محتقنا .. فقدت أحرجتها غادة بما فيه الكفاية .. لذا سارعت بأخذ سامية إلى حجرتها .. وجلستا على سريرها الواسع ... والصمت يدق جنبات قلبيهما ..

وهمست رهف :
- أنا آسفة ..
كانت سامية في حالة من الشرود .. لكنها أجابت رهف دون أن تنظر إليها :
- ما من خطأ تعتذرين من أجله ..
- بلى .. كان علي أن أتوقع ذلك .. وألا أدعوك من البداية ..
- أتظنين أن ما فعلناه كان صحيحا ؟؟
- أتعنين هروبنا ؟؟
- أجل ..
- وماذا بإمكاننا أن نفعل أكثر من ذلك ..
امتعضت سامية وقالت :
- هذا هو الواقع الدامي ... كم نحن ضعاف النفوس ..
- سامية .. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ..
- كلا .. ليس هذا هو أقصى ما نستطيع .. حتى الآن لم نصب بأي أذى في سبيل دعوتنا ..
- ألا تسمين تلك النظرات الساخرة أذى يا سامية ..
- وهل تقارنين النظرات بالدماء ؟؟ لقد أرخص الدعاة أرواحهم ولم يبالوا .. ونحن هنا .. نكتفي بالصمت والهروب ثم نقول أوذينا بنظراتهم .. ألم أقل لك إننا ضعاف النفوس ..
صمتت رهف قليلا وأطرقت تفكر .. ثم قالت :
- ما تقولينه هو عين الصواب .. كان علينا أن نفعل شيئا يعذرنا أمام الله ..
- أخبريني .. كيف رضيت لأختك بهذا الزي ..
- لقد كلمتها مرارا .. لكنها أصمت أذنيها .. على كل .. أنت ترين أنه ليس أسوأ من ملابس صديقاتها .. فالصاحب ساحب كما يقولون ..

وفي غرفة الضيوف كان فلاش الكاميرا يلتمع بين الفينة والفينة .. آخذا لقطات حميمة للصديقات الست .. لكنه توقف فجأة معلنا انتهاء الفيلم .. فجلست الفتيات في إرهاق بعد أن أعياهن رقص السلو على نغمات غادة الرومانسية .. وقالت إحداهن :
- أنا جائعة ..
ضحكت غادة وقالت :
- لا تقلقي .. لقد أعددت لكن وليمة لن تحلمن بمثلها ..
قفزت سارة من مكانها وقالت :
- حقا ؟؟
- وماذا تظنين ؟؟ لقد كنت أعلم أنكن مدمنات للرقص .. والرقص رياضة عنيفة تحتاج لوجبة دسمة بعدها ..
- انك رائعة بحق .. هيا إذن عجلي لنا بها ..
- تفضلن إذن لغرفة الطعام .. سأصعد لأنادي رهف وسامية ..
- اقترح أن ترسلي لهما أطباقهما .. لا نريد ثقيلي الدم معنا ..
- ليس من اللياقة ذلك يا عزيزتي لابد من الأصول ..
مطت سارة شفتيها بقرف .. وقالت :
- لو كان البيت بيتي لأريتك كيف أتحرر من كل هذه القيود المسماة بالأصول ..


وانتهت الحفلة .. وعاد كل طير إلى عشه .. ونام الجميع .. بينما احتضنت غادة باقة ورد أهدتها إياها إحدى صديقاتها .. وغابت في دوامة من البكاء المرير .. وصورة ربيع لا تفارق مخيلتها للحظة ..
لقد كانت تراه في كل ركن من الغرفة أثناء الحفل ..
رأته يصفق لها وهي ترقص ..
رأته يرمقها بإعجاب وهي تعزف ..
رأته يمد لها الشوكة ويطعمها بيده ..
شعرت بأن الحفلة أقيمت من أجله ... لا هروبا منه .. وامتطت قارب ذكرياتها .. تعيش فيه أحلى الأيام .. وتذرف الدموع السخية ..
أنى لها الهروب ممن نال منها القلب والروح .. ولم يتركها حتى في المنام ..
لابد أن تلقاه ..
لابد أن تروي ظمأها الذي طال لثلاث سنوات ..
لابد ..

دونا
02-04-2003, 18:31
الجزء العاشر(حيرة)
ألقت غادة نظرة سريعة على ساعتها..و تمتمت: إنها الخامسة صباحاً...
لقد غلبها الأرق رغم الجهد الذي بذلته في الحفلة بين العزف و الرقص و الإشراف على الوليمة..
تنهدت بعمق و أرسلت نظرة متفحصة على هاتفها الخلوي..و همست لنفسها قائلة:إن كان فعلاً هو..فلابد أنه ما زال مستيقظاً إلى الآن... فهذه عادته..
عندها استدركت بسرعة قائلة:ما لي اهتم بأمر ربيع؟ أما زال في قلبي بعد كل تلك السنين..لما أخشى الاعتراف بذلك؟..عجباً لي..قبل ثلاث سنوات و بعد أن تعرفت عليه في غرف المحادثة على الإنترنت كنت أخشى أن لا أجده بين صفحاتها...استمتع بحديثه..و استشعر صوته..لقد أحببته..بل بت أهواه..حتى أنني لم أستطع أن أكتم هذا الشعور عنه..أخبرته..فانقطعت أخباره..شعرت حينها بالضيق..بالندم..و همست لنفسي ليته يعود فكل ما أريده صداقته..
اقتربت غادة من نافذتها و هي ترقب شروق الشمس و استرسلت قائلة:بعدها بأيام جاء لخطبتي..يومها أحاطتني السعادة فبت أبني أرض أحلامي طوبة طوبة..و على أرض الواقع..لوهلة شعرت بالانتصار...فقد رأيت الوجه الذي لامس صاحبه شغاف قلبي..و أمتعت أذني بصوته حتى بات هذا الصوت جزءاً من ذاكرتي... ليس له أن يمحى..و لكن..
أشاحت غادة بوجهها بعيداً و أرسلت دموعاً غزيرة...اقتربت أكثر من نافذتها..و فتحتها..فتدفقت نسائم الصبح الندية مختلطة بعبير الفجر و أطارت بخصلات شعر غادة..
رغم أن غادة كانت كثيرات الصديقات إلا أنها لم تتحدث لإحداهن عن ألامها..أحلامها..في الحقيقة لم تكن تبحث عنهن إلا و قت اللهو..و الرقص..و الغناء..فهذا ما هن أهل له..لذا كانت غادة صديقة نفسها..تحكي لها دوماً.. تلومها..تسألها..
تطوف بها هنا و هناك..
عادت غادة تحدث نفسها عن ربيع قائلة:لقد حسدنا الكل على حبنا و سعادتنا..فكان الحادث الذي فرقنا..لقد طلب فراقي بسبب تشوه علا وجه..نسي أنني أحببته قبل أن أرى معالم ذلك الوجه..
ضحكت غادة و عقبت:يا لسخرية الزمان..الوجه الذي تمنيت أن أره فرق بيني و بين صاحبه..و ها هو يعود في محاولة لإصلاح ما كسر..هل هذا ممكن؟...و لما لا ؟..كل شيء ممكن..
كما أنه لم يطلب سوى صداقتي ..لا أنكر أنني في لحظة ما فضلت صداقته على أن يغادر ني للأبد..علي أن أتخذ قراراً سريعاً..
رمت غادة بجسدها على مقعدها الوثير و أغمضت جفنيها لتأسرها الذكريات...عمرها يمر أمامها...لحظات تجري في عجل..
فتحت غادة عينيها بهدوء...و ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهها وعقبت قائلة سأقوم باختبار...
أسرعت غادة تمسك بالهاتف..لتطلب رقماً..و من ثم اعتدلت على كرسيها الأثير أمام البيانو..و ما أن سمعت محدثها يقول:آلو..
حتى وضعت السماعة جانباً في مكان ما قرب البيانو..و بدأت تعزف..تسارعت أناملها فوق مفاتيح البيانو..و اعتلت النغمات حتى ملأت أرجاء الغرفة...مضت ربع ساعة و غادة على حالها..و ما أن أنهت عزف مقطوعتها حتى هرعت إلى سماعة الهاتف..و أمسكت بها..حاولت أن تقول شيئاً لكن أنفاسها المتسارعة سبقتها..فأتاها صوت ربيع قائلاً:صباح الورد و الفل و الياسمين يا غادة
ابتسمت غادة و عقبت
-هل عرفته؟؟
-بالطبع فأنا لن أنسى هذا اللحن ما حييت..
-اثبت لي..
-لقد عزفت لي هذا اللحن في يوم عيد ميلادك التاسع عشر..أتذكرين؟
-و كيف لي أن أنسى الأيام التي قضيناها سوياً..
-هل يعني ذلك أنك قبلت صداقتي؟
-هذا سيعتمد على لقاءنا
هتف ربيع قائلاً
-لقاءنا أتعنين..
-أريد أن أراك يا ربيع..أرد أن أرى ماذا فعلت السنوات الثلاث بشخصك..أريد أن أحدث ربيع الذي كان جزءاً من أحلامي يوماً ما..
-ألم يعد لي وجود في أحلامك يا غادة..
-لقاءي بك سيحدد ذلك
-كم أنا مشتاق لرؤيتك...لعزفك..لحديثك...لبسمت ك..
-...........................
-غادة ما لك لا تردين؟؟
-عذراً لقد سرحت قليلاً..
-متى و أين اللقاء؟
-سأرسل تفاصيل موعدنا إلى بريدك الإلكتروني..هل غيرت عنوانك؟
-كلا لم أفعل..أما زلت تذكرينه؟
-و كيف لي أن أنساه!
-سأنتظرك..
أنهت غادة المكالمة..تسمرت للحظات في مكانها..ثم قفزت في سعادة..و بدأت تدور حول نفسها..
و تدور..و تدور..
و تطايرت ضحكاتها هنا وهناك..
اقتربت إلى النافذة..و أخرجت رأسها و هي تهتف:سألقاه...ياه..سألقاه..
لكنها بهتت فجأة ..فلقد تسرب إليها بعض القلق...و عادت تتساءل..
-ماذا لو لم يكن الشخص الذي أحببت..ماذا لو غيرته معارك الحياة..ماذا عن واقعي؟...الحياة التي أحياها..
هزت غادة رأسها بقوة لتنفض عن رأسها تلك الأفكار..و إذا بصوت الهاتف يرتفع ..
رمت غادة نظرة إلى ساعتها و تمتمت:إنها السادسة و النصف..لا بد أنه هو..
و هرعت ترفع السماعة..و ما أن لا مست تلك السماعة أذنها حتى هتفت:ربيع..
-ربيع؟!
تلعثمت غادة..ذلك لأن الصوت الذي أتاها لم يكن صوت ربيع...
فقد كان هذا آخر صوت تتوقع أن تسمعه في هذا الوقت..
صوت عادل..
****************************** ****


تيمه و أنا نتمنى لكن قراءة ممتعة
في أمان الله..

تــيــمــة
06-04-2003, 00:23
الجزء الحادي عشر : مفارقة ..

أغلقت غادة السماعة بكل قوتها .. وقلبها يكاد يتوقف من شدة الاضطراب ...
وشرعت تفكر في طريقة تتخلص بها من هذه الورطة ..
لكن الهاتف لم يعطها فرصة طويلة ... فما لبث أن دق ثانية ..
دارت الأفكار بسرعة جنونية في عقل غادة .. انتظرت قليلا عل دقات الهاتف أن تتوقف .. لكن لا فائدة .. فعلى ما يبدو أن عادل مصر تماما على محادثتها ..
أخيرا رفعت غادة السماعة بيد مرتجفة وهي تقول لنفسها ( يا الهي لم أهابه لهذه الدرجة ؟؟ )

كست صوتها بنبرة النوم .. وهي تقول :
- آلو ..
- السلام عليكم ..
- وعليكم السلام ورحمة الله ..
تثاءبت ثم قالت :
- هذا أنت يا عادل .. حمدا لله على سلامتك يا حبي ..
- كيف حال حلوتي الرقيقة ؟؟
- بخير .. مرهقة قليلا .. فقد أقمت حفلة بالأمس لصديقاتي .. ليتك كنت معي ..
- غادة ..
- نعم ..
- اتصلت قبل قليل .. وخيل إلى أنني سمعت صوتك تهتفي باسم ربيع ..
- أووووووه .. أنا لم أرفع السماعة إلا الآن .. لاشك أنك أخطأت بالرقم ..
- ربما ..

غص حلق غادة لكل هذه الأكاذيب ... لقد وضعت نفسها في موقف دقيق للغاية .... إن عادل رجل طاهر لأبعد الحدود ... وان كانت قد اعتادت الكذب ... لكنها تأبى أن تمارس هذا الدور على أمثال عادل ... فهناك أشخاص يبلغون من السمو ما يجعل المحيطين بهم يترفعون عن كل دنيء أثناء صحبتهم ...

وطالت المكالمة ... وكل منهما يبث الآخر لواعج قلبه ... وبدوا كعاشقين ثملين من كأس الغرام ... وان صدق أحدهما وكذب الآخر ...

وحين ودع عادل غادته الأثيرة ... كانت الأخيرة في حال يرثى لها ... وقد استبد بها الألم ... ولم تشعر في حياتها بعذاب الضمير كما شعرت به في تلك اللحظة القاسية ...

أيمكن أن تستمر طوال حياتها على هذا المنوال ؟؟
كيف سمحت لنفسها بتقبل هذه الفكرة الصبيانية ؟؟ هل تظن نفسها في أوروبا ... تبيت الليلة مع زوجها .. وغدا تبيت مع عشيقها ؟؟
وتمتمت لنفسها :
- عادل .. أنت لا تستحق مني هذا .. لكن ماذا أفعل .. وشخص ربيع يلاحقني حتى وأنا معك ...
ربيع هو كل حياتي ... لكنني بالرغم من ذلك أشعر بأنني أكن لك الحب أيضا ..... أوووووه ماذا دهاني ؟؟

وزحف الصداع إلى رأسها شيئا فشيئا ... حتى كاد أن يفجره ... وبالرغم من كل محاولاتها لمقاومة هذا الألم الممض ... إلا أن صرخة مدوية أفلتت من بين شفتيها .. حتى ظنت أنها صدرت من شخص آخر ...

فتح الباب بقوة .. وتوافد أشخاص كثر إلى حجرتها ... فلم تستطع تبين هوياتهم ... لكنها شعرت بقربهم الشديد والتفافهم حولها ... وسمعت صرخات خافتة ونشيج وآهات ... ثم أظلمت دنياها ... فاستسلمت لتلك الظلمة المدلهمة .. إلا أنها ما لبثت أن شعرت بطعم حلو يخالط لعابها .. وتبددت الظلمة مجددا .. لتتبين صورة رهف وهي جالسة على حافة السرير .. بينما تقف والدتها خلفها بوجه بادي القلق .. وسمعت رهف تقول :
- اطمئني يا أمي .. هاهي تعود إلى وعيها ..
- أووه ابنتي .. الحمد لله ..
وشرعت الأم تبكي في صمت .. بينما حاولت غادة أن تعتدل في جلستها وهي تقول في ضعف :
- ماذا حدث ؟؟
عاونتها رهف وهي تجيب :
- أظن أنه فقر الدم .. فوجهك مصفر جدا .. لكنني أتعجب لأنه أصابك باغماءة .. لابد أن تجري تحليلا ..
- آه .. أجل .. فقر الدم .. لا تتعجبي يا أختي .. فقد داهمتني الشقيقة .. وأظن جسدي لم يستطع مقاومتها فحصل ما حصل .. أريد كوب ماء ..
هرعت الأم التي اكتفت بالبكاء والصمت لتجلب كأس ماء لابنتها المدللة .. فاستغلت رهف غياب أمها لتقول :
- استغفري الله يا غادة .. فما هذا إلا بذاك ........
نظرت غادة إلى أختها نظرة طويلة تحمل ألف معنى .. لكنها التزمت الصمت .. وشعرت رهف بأن أختها تنفذ إلى أعماقها بنظرتها الحارقة تلك .. فارتبكت وصرفت بصرها عنها وهي تقول :
- ما بك ؟؟ كنت أنتظر عاصفة من عواصفك التي تجتاحني كلما نصحتك ..
أطرقت غادة وقد غالبتها دمعة أبت إلا أن تترقرق .. ثم قالت :
- هل كنت تعنين ما قلته ؟؟
دهشت رهف لاستكانة غادة هذه المرة .. فقد اعتادت منها المكابرة وسلاطة اللسان رغم أنها تكبرها ب3 أعوام .. وطال صمتها فعادت غادة تلح عليها .......
- ماذا أصابك ؟؟ أعنيت ما قلته ؟
- أجل .. معذرة .. أقصد ..
- لم أنت مضطربة ؟؟
ملأت رهف رئتيها بالهواء ثم تمالكت نفسها وقالت :
- غادة .. تعلمين أن ما فعلته بالأمس كان غاية في ال .. .. أوه كلا لست أريد شتمك لكن الأجدر بك أن تخجلي مما فعلته .. كيف تستطيعين فعل ذلك والله ينظر إليك ؟؟ أما تستحين من ربك ؟؟
صمت مطبق خيم على الشقيقتين .. ووجف قلب رهف المرهف .. خوفا من أن تحصل بينها وبين أختها خصومة كبيرة .. وحين ظنت أنها ستسمع جواب أختها وجدت أمهما أمامها تحمل كأس الماء فقررت الانسحاب متذرعة بعملها .. وتركت غادة في أسوأ حال ..........

أخذت غادة تفكر في شخصيتها المتذبذبة .. وشعرت بأن هذه الوقفة بالذات ستكون جادة .. وستغير من مجرى حياتها .. لكن .. وكالعادة .. سرعان ما تلاشى إحساسها بالذنب .. وداهمتها الأفكار حول ربيع .. فألقت بكل همومها خلف ظهرها ونهضت بنشاط .. متوجهة إلى الحاسب الآلي ................ لترسل لربيع تفاصيل اللقاء ..

ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

دونا
08-04-2003, 23:57
الجزء الثاني عشر( قلب و عقل )

ألقت غادة نظرة مطولة في المرآة..و تمتمت:ممــم المكياج..الفستان..آه و شعري..نعم كل شيء ممتاز كم أنا رائعة..
أطلقت غادة ضحكة قصيرة..بينما ارتفع صوت جرس الهاتف فجأة..فرفعت غادة سماعة الهاتف في حركة لا إرادية..
عندها جاءها صوت عادل يقول:السلام عليك و رحمة الله..
-و عليك السلام..عادل؟؟..عجباً هذه المرة الثانية التي تتصل علي فيها اليوم..
-اشتاقت أذني لسماح صوتك..و أبت عيني إلا أن تراك..
-و ماذا عن قلبك؟؟
-إنه ينبض باسمك...و ينشر حبك في أرجاء جسدي..لقد أرغمني على المجيء رغم أشغالي الكثيرة..
تلعثمت غادة و هتفت:
-أتعني أنك قادم يا عادل؟؟
-بل أنا أمام منزلك..ما رأيك في المفاجأة؟؟
-...
-غادة..ما الأمر؟؟
-لا لا شيء..يا لها من مفاجأة رائعة..سأنزل لأفتح لك..
أغلقت غادة سماعة الهاتف و قد بدا عليها القلق..و ألقت نظرة سريعة على ساعتها و هتفت:أتمنى أن لا يطيل الجلوس..حتى ألحق بموعدي مع ربيع..
أسرعت غادة تنزل الدرج..و أخيراً اتجهت إلى فناء المنزل الخارجي و فتحت الباب لربيع و قد تصنعت ابتسامة على ثغرها..ثم قالت:أهلاً بفارسي..
دلف عادل وهو يرسم ابتسامة عذبة..و ما أن رأى غادة حتى تعلق بصره بها..و تسمرت أطرافه للحظات..مما جعل غادة تلوح بيدها أمامه قائلة:عادل هل أنت بخير؟
أيقظ سؤال غادة عادل من شروده فأجاب قائلاً:يبدو أن فارسك قد أسر..
سألته في تعجب:و من يجرأ على أسره؟؟
أجابها:جمالك..سحرك..بريقك..
أشاحت غادة بوجهها خجلاً و هي تعقب:أنت دوماً هكذا..أميرتك تدعوك للدخول..
أجابها و قد اتسعت ابتسامته:أنا في طوع أميرتي حتى تدخل القفص..
التفتت إليه و سألته في دلال:و ماذا سيحدث بعد أن تدخل القفص؟؟
أطلق عادل ضحكة قصيرة و قال:يبدو أنني سأظل في طوعها أبد الدهر..
ضحكت غادة بدورها..و اصطحبت خطيبها إلى الداخل..
جلس عادل على مقعد وثير..و جلست غادة بجواره..
ظل عادل يحدثها عن رحلته..و مغامرته..بينما اكتفت غادة بهز رأسها إيجاباً بين الحين و الآخر..كما أنها كنت تختلس النظر لساعتها كلما تمكنت من ذلك..حتى باغتها عادل بسؤال:
غادة ما بك ؟؟هل تسمعينني؟؟
-غادة؟
-نــ..نعم نعم عادل..
-ما الذي يشغلك..
-لا شيء سواك..لكن..
-ما الأمر؟؟
-كنت أنوي أن أذهب لزيارة إحدى صديقاتي..لا يهم..هل تسمح لي سأذهب لأخبرها بعدم حضوري..
-كلا لا تفعلي..فلقد تذكرت عملاً مهماً علي القيام به..
-كلا عادل أبقى أرجوك..أستطيع زيارتها في يوم آخر
-صدقيني..لدي كثير من الأعمال..أذهبي و قضي وقتاً ممتعاً..
-عادل..لا أدري ماذا أقول؟
ابتسم عادل و اقترب من غادة و أخرج علبة صغيرة من جيبه..ثم فتحها أمام غادة و هو يقول:
قولي..قبلت هديتك يا عادل..
ألقت غادة نظرة مطولة على العقد الماسي الذي كان يتوسط العلبة..و بدت على وجهها علامات الذهول..
ضحك عادل و أخرج العقد من علبته معقباً:ما رأيك أن تزيني به عنقك قبل ذهابك إلى صديقتك..استديري سألبسك إياه..
-صديقتي...؟؟
-استديري يا غادة..هيا ..
استدارت غادة ببطء...و هي تشعر أنها ليست بحال جيدة..و بينما كان عادل يقلدها العقد..تجمعت عبرات في حلقها..و دارت أحاديث في خلدها..آه يا عادل..ليتك تعرف من تكون صديقتي المزعزمة..ماذا ستفعل لو علمت أنك تزينني لربيع...أشعر بالاختناق...تلك الأفكار تقتلني ببطء..تشنقني..
تلمست غادة العقد بأطراف أصابعها..تسارعت أنفاسها..بينما اكتسى و جهها بملامح الحزن..و الهم..
-غادة..ألم يعجبك العقد..؟
تنبهت غادة لحالها فالتفتت إلى عادل و قد رسمت ابتسامة على وجهها و عقبت:
-يا إلهي يا عادل إنه رائع...أنت تحرجني دوماً بكرمك...
-لقد حصلت على ما أريد..إنها تلك الابتسامة..فهي أغلى من كنوز الدنيا..سأذهب الآن يا غادة..
-سأرافقك إلى الباب..
-كلا لا تفعلي أذهبي و أنهي أمورك حتى لا تتأخري على صديقتك..
لم تجادله غادة..فقد شعرت أن قدميها لا تقوى على حملها..فقالت:
-إلى اللقاء يا عادل..
غادر عادل..و بقيت غادة..تسمرت للحظات...ثم ارتمت على أحد المقاعد و قد سمحت لدموعها بالهطول..و من بين حزنها همست:أنت لا تستحق ذلك يا عادل..أنت أنبل رجل رأيته في حياتي..ما ذنبك؟..كل ما فعلته أنك أحببتني..أما أنا..
بترت غادة عبارتها..عادت تتلمس العقد ..و أغمضت عيناها في استسلام..و بدأت تستمع إلى ذلك الصراع الذي قد نشب في أعماقها..
صراع بين قلبها..و عقلها..
فقد صرخ هذا الأخير في أعماقها قائلاً:غادة..ألا يكفي أن عادلاً يحبك..؟
أجاب القلب:ربما كان يحبها لكنها تهوى ربيع..تعشقه...تذوب في أعماقه اسألني أنا؟
-و ما أدراك أيها القلب؟..غادة أنصتي لي..ما تفعلينه ليس عرفاً في مجتمعك..و لا أخلاقك...ما يدريك أي شخص بات ربيع؟..أتلقي بنفسك في فخ الماضي..
-إنها تفعل ذلك..من أجل حبها..من أجل بقائها..من أجل حياتها..
-و ماذا عن مستقبلك يا غادة..هل ستدعيه أسيراً لما تسمينه حب..ما عاد لربيع مكان في قلبك...كل ما في الأمر أنك تشعرين بانجذاب نحو ماض بات واقع..
-كف عن ذلك أيها العقل..أنا قلبها..إنها ما زالت تحب ربيعا..مازلت نبضاتي تنطق باسمه..
-إذن أجبني..هل هناك مكان للعادل فيك..
-ربما..لست أدري..فحب ربيع قد طغى على خلجاتي و حجب عني الشعور بأي حب آخر..
-فكري يا غادة...لا تحطمي حياتك من أجل رغبات..
-لا تسمعي كلامه يا غادة..أنت تحبين ربيعاً دون شك..هيا اخلعي هذا الطوق من عنقك..لا تجعلي خطوبتك لعادل تقيدك..
هتف لسان غادة بدوره قائلاً:نعم..لا بد أن أرى ربيع..لا بد أن أسقي ظمأ ثلاث سنوات..لا بد أن أطفأ نار الشوق التي تشتعل بداخلي..
أمسكت غادة بعقدها..و أزاحته عن عنقها..و ألقت نظرة عليه و هو بين يديها..ثم قالت:اعذرني يا عادل..فما يشعر به قلبي.. أقوى بكثير مما يفكر فيه عقلي..



******************************
أشكركن جميعاً ..على تشجيعكن..و متابعتكن...
دمتن سالمات...يا غاليات..:33: :27::33:

تــيــمــة
09-04-2003, 04:49
الجزء الثالث عشر :

وقفت غادة على حافة الشارع أمام مجمع تجاري ضخم بعد أن صرفت سائقها .. والتصقت عباءتها بجسدها بسبب الرياح الشديدة التي أخذت تهب دون توقف ..وقفت غادة على حافة الشارع أمام مجمع تجاري ضخم بعد أن صرفت سائقها .. والتصقت عباءتها بجسدها بسبب الرياح الشديدة التي أخذت تهب دون توقف ..

شعرت بالقشعريرة والوحدة ... وسرى البرد في جسدها فقف شعرها .. وراحت تدعك ذراعها بكفها بغية نشر الدفء الذي غادرها قبل لحظات ..

راحت عيناها تجوبان بين السيارات باحثة عنه بلهفة .. وقلبها يتسارع لحظة بعد لحظة .. لم تكن تدري ماهو شعورها بالضبط .. هل هو قلق أم شوق .. أم خوف أم سعادة ..

وأقبلت من بعيد سيارة فخمة فتعلقت عيناها بها شاعرة بقوة أنها تقله بداخلها .. وبهرت كشافات السيارة بصرها حين توجهت إليها مباشرة .. وتوقفت بمحاذاتها .. وقد أطل من نافذتها شاب غريب عنها .. لكنه في غاية الوسامة ..

نظرت إليه في حيرة .. فابتسم وقال :
- ما بك ؟؟ هيا اصعدي يا غادة ..
وحين سمعت اسمها تيقنت من شخصه الذي لم تعرفه بسبب عملية التجميل .. فراحت تنظر إليه وقد تسلل إليها شعور بالرهبة والخيبة معا .. رهبة من شكله الجديد الذي أوحى لها بأنها ستركب مع رجل لا تعرفه .. وخيبة أمل كان يراودها بأن ترى ذلك الوجه القديم الأثير الذي أحبته .. وعرفت حينها أنها لن تراه إلا في خيالها وذكرياتها ..

دارت كل تلك الأفكار في ذهنها بسرعة البرق مع دورانها هي حول السيارة لتركب من الجهة الأخرى ..
وانطلقت السيارة فورا براكبيها المتيمين .. فتتابعت الذكريات في ذهنيهما مراجعين كل المواقف القديمة والهمسات واللمسات التي حدثت في نفس هذا المكان ..

اختطفت غادة نظرة إلى وجه ربيع .. فوجدته مبتسما ينظر أمامه نظرة حالمة .. حاولت تجاهله قليلا لتختبر نفسها .. لكنها لم تستطع أن تتمالك نفسها أكثر فراحت تتأمله وقد أخرست المشاعر المتضاربة لسانها ..

قال دون أن يلتفت إليها :
- اكشفي وجهك .. اشتقت إليه كثيرا ..
أزاحت الغطاء عن وجهها بتلقائية من اعتاد ذلك .. فاختلس نظرة .. ثم أوقف السيارة جانبا وعاد ينظر اليها بإمعان ..

مضت لحظات وكل منهما لا يزيح عينه عن الآخر .. ثم قال ربيع :
- كما أنت .. جميلة ونضرة .. وكأن السنوات الثلاث لم تزد على عمرك شيئا ..
- أما أنت فشخص آخر تماما ..
خرج صوتها مبحوحا ومتعبا .. فأجفل ربيع لدى سماعه وقال :
- ما بك ؟؟ هل أنت مريضة ؟؟
قالت في هيام وبدت كالنائمة وهي تتكلم :
- أنا مريضة بحبك .. لقد أتعبتني المشاعر المتناقضة .. ولم أعد أستطيع النوم بهدوء منذ أن عدت الى حياتي ..
- إذن فأنا أستحق العقاب .. لما فعلته بغادة العمر ..
عادا للصمت ثانية .. فامتدت يده تحاول الإمساك بها .. عندها دق قلبها كطبول الحرب وأسرعت تقول :
- أين كنت تنوي أخذي ؟؟
ارتدت يده .. وقال ببرود :
- هل تريدين أن تعرفي ؟؟
- بالتأكيد ..
- إلى دار الأحلام ..
- أتقصد المطعم إياه ..
- أجل ..
- يااااااااااااه .. أتصدق أنني لم أزره طيلة الأعوام الثلاث ..
- حقا ؟؟ لماذا ؟؟
- تجنبت ذكراك .. كنت أهرب من خيالك طيلة الوقت .. لكنه رغم ذلك ألح في الالتصاق بي .. ولم يفارقني للحظة ..
- ............ وما الذي يذكرك بي ؟؟
- انطلق وسأخبرك في الطريق ..
عاد ربيع يقود سيارته .. بينما حكت له غادة عن الثوب المحترق والشريط .. ونغمات البيانو .. واللوحات التي رسمتها له .......... وتدفق حديثها العذب دون توقف .. وربيع في غاية الطرب كأنما يستمع إلى معزوفة رقراقة من معزوفات بيتهوفن أو موزارت ..

وحين وصلا الى المطعم هبطت غادة من السيارة بسرعة .. وشملت المطعم بنظراتها كأنها تريد احتضانه بين جوانحها .. فلهذا المكان الذي جمعهما كثيرا مكانة خاصة في قلبها ..

واختار ربيع إحدى الزوايا المنعزلة في قسم العائلات .. وطلب بعض الحواجز الخشبية ذات العجلات لحجب المكان عن الأنظار .. كما طلب البوظة الفاخرة التي يقدمها ذلك المطعم .. ثم عاد أدراجه إلى غزالته فوجدها شاردة الذهن ..
- فيم تفكرين ؟؟
- أنت تعلم ..
اتكأ بمرفقيه على الطاولة وقرب وجهه من وجهها والتقت نظراتهما ثانية .. ثم همس :
- لا أعلم .. ولكنني أتمنى ألا تفكري بغيري طيلة حياتك .. أتمنى أن تكوني لي وحدي ..
ثم ارتد إلى الوراء وأطرق بحزن قائلا :
- رغم أنني أعلم أن ذلك مستحيل ..
صمتت غادة وعيناها تجوبان في وجهه الحزين .. وراحت تفكر في كلماته التي تقطر ولها وأسى ..
أي حال يعيش هذان التعسان ؟؟ لم يبقي كل منهما للآخر هذا الكم من الإخلاص والعشق رغم تفريق القدر بينهما .. ؟؟ ثم لم يجتمعا وكل منهما موقن بأنه لم يعد للآخر كما كان ؟؟ لم يعذبان نفسهما وبعضهما .. ويجددان الألم .. وينكآ الجراح ؟؟

تساقطت الدمعات من عينيها من جراء هذه الخواطر .. فتنبه لها ربيع .. وتأثر بشدة لرؤية دموعها .. وتمتم :
- آسف .. أأثرت أشجانك ؟؟
لم تجبه غادة بل أستمرت في البكاء .. وبدأت تشهق .. اصطرع الألم والحب والقلق في قلبها .. تذكرت عادل ووفاءه وكرمه .. تذكرت نظراته الهائمة وهداياه الثمينة .. رأته أمامها ينظر في خيبة .. خيبة رجل وثق بحية رقطاء مثلها ..

ثم عادت تنظر إلى ربيع ومحياه الوسيم .. وحيويته الحارقة .. ومرحه الدائم .. هاهو أمامها الآن .. طوع أمرها وبين يديها .. لطالما مدت يديها إلى طيفه لتكتشف أنه سراب .. مجرد سراب .. لكنه هذه المرة حقيقة جلية واضحة .. لم تكن تتصور أنه يوم أن يكون حقيقة .. سيكون حقيقة مرة .. مرة للغاية ..

شعرت بيده تلامس يدها مواسية .. فسرى في موضع لمسته مثل عمود النار اللاهب .. وانتفض جسدها كمن مسه تيار كهربي .. فرفع ربيع يده بذهول .. ثم أرخى عينيه وقال :
- لم أكن أريد للقائنا أن يكون مؤلما لك ..
همست :
- يبدو أنه لن يكون إلا كذلك ..
- لماذا ؟؟ ألم تعودي تحبينني يا غادة ؟؟ ظننتك متلهفة لرؤيتي ..
- أنا كذلك لكن ..
- ماذا ؟؟
- وضعنا غير طبيعي ..
- وهل بإمكاننا أن نصححه ؟؟
- لست أدري ..
تنهدت بقوة ورددت كلماتها ثانية .. ثم عادت لشرودها ..
ووصلت البوظة .. فأخذا يأكلانها بصمت .. لكن ربيع أبى إلا أن يشيع جو المرح ثانية .. فأخذ يحكي لها حكايات رائعة أنستها أحزانها .. ولم يهدأ باله إلا عندما رآها تضحك من أعماقها .. وتكاد تستلقي على ظهرها من شدة الضحك .. .. حينها أخذ ينظر إليها بإعجاب وحب .. كم تضج بالحياة وعنفوان الشباب .. كم تزهر عمره وتغسل قلبه من كل هم .. غادة هي غادة التي أحبها منذ زمن .. رفض أن يصدق أنها باتت لغيره فقال :
- غادة ..
- نعم ..
- أنت لي ..
تصاعدت الدماء إلى وجهها الفاتن وقالت دون شعور :
- أجل ..
- للأبد ..
- للأبد ..
ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ




هاه .. هل سئمتم أم لازال فيكم رمق صبر ؟؟

صدقونا لا نسير على غير هدى ... كل ما نحتاجه هو متابعتكم لنا لكي تشدوا من أزرنا ..

آمل ألا نخيب آمالكم ..

دونا
10-04-2003, 21:55
الجزء الرابع عشر(صدمة)

علت صرخة قوية في غرفة غادة..ثم تبدد صدها..تتالت أنفاس غادة في عجل..و فتح باب غرفتها على مصراعيه لتدخل رهف و والدتها..فاقتربت الأم الحنونة من ابنتها و احتضنتها..بينما سألت رهف أختها و كل ملامح و جهها تنطق بالقلق:غادة هل أنت بخير؟..ما بك؟ ..لما كنت تصرخين..؟
نظرت غادة إلى رهف و أجابتها عبر أنفاسها المتتالية:لا شيء يا رهف لا شيء..
سألت الأم بدورها ابنتها :هل أنت متأكدة يا حبيبتي..؟
رسمت غادة ابتسامة صفراء و عقبت:أنا بخير يا أمي..صدقيني..
عقبت رهف بدورها:لا تقلقي يا أمي ستكون بخير..بإذن الله..سأبقى عندها...أذهبي و اخلدي للنوم..
رسمت والدة غادة قبلة على جبين ابنتها الأثيرة..و غادرت الغرفة بعد أن أوصتهما أن يتدثرا جيداً...فالجو كان بارداً..و الأمطار تهطل بغزارة في الخارج..
خيم الصمت للحظات...لكن سؤال رهف بدد هدوء الغرفة حيث قالت:لا تظني أنك أطفأت تساؤلاتي بإجابتك تلك..
تنهدت غادة و أجابت:
- كان مجرد كابوس يا رهف..
-و إلى متى ستتكرر الكوابيس؟؟
-لست أدري؟..اسأليها علها تجيبك..
-غادة هل تخفين علي شيئاً ما..؟
-رهف كل ما في الأمر أنني أشعر بالضيق هذه الأيام..
-لقد تجمعت الذنوب على قلبك حتى أشعرتك بالضيق..إلى متى يا غادة؟!..البيانو..الأغاني..الفس اتين العارية..كلها تكبلك بالسلاسل..لتلقي بك في العذاب..
-أنا فتاة عصرية يا رهف..
-هل الحضارة و العصرية فيما ما تفعلين!..كفي عن ذلك يا غادة لا تختفي حول أقنعة زائفة..
-رهف..أنت لا تعلمين شيئاً..كل ما في الأمر أنني مشغولة الفكر..
-بم يا غادة؟..بالمستقبل..؟أي مستقبل ستجنين و أنت على هذه الحال؟؟
هتفت غادة قائلة:
-كفي يا رهف..اهتمي بشؤونك..
-أنا قلقة عليك يا غادة.
-أرجو أن لا تنسي أنك مريضة بالقلب..و أن قلبك بحاجة للعناية أكثر مني..هلا تركتني..أريد أن أنام..
شحب وجه رهف فجأة..فسحبت آثار الهزيمة خلفها و مضت لتغادر الغرفة في صمت..
مسحت غادة شعرها بيديها لتطرد بقايا أفكار عالقة..و من ثم ألقت نظرة على باب غرفتها و تمتمت في صمت:آسفة رهف..أنت من أجبرني على ذلك..
التقطت غادة علبة دواء كانت بجوارها..و تناولت منها حبة مهدئة..و همست في أسى:إلى متى ستظل تلك الأفكار تلاحقني؟..إلى متى سيظل حب ربيع يعذبني؟..إلى متى سيظل ذلك الشعور بالذنب يطوقني؟..إلى متى سأظل أطعن عادلاً في ظهره؟..و كأنني في دوامة...ليس لها إلا مخرجين...عادل...أو ربيع...
أمسكت غادة برأسها بقوة..و هزته في عنف و هي تردد:يا إلهي..ما الذي دهاني؟..لقد انتهى بي الأمر إلى الحبوب المهدئة..و الأقراص المنومة..علي أن أتخذ قراراً..و بأسرع وقت....
تنهدت غادة في عمق و أكملت :لقد مضى أسبوع على لقاءي بربيع..و في كل يوم كنت أزداد لهفة لسماع صوته..لرؤيته..و بالمقابل أزداد آسى و ألم على نفسي..و على عادل..بل حتى على ربيع...
التقطت غادة علبة أخرى من المضمدة المجاورة لسريرها..و تناولت قرصاً آخر و هي تتمتم:النوم هو الحل الوحيد للهروب من أرض الواقع...
ثم ألقت برأسها على وسادتها..و استسلمت للنوم...
تتالت الساعات..و جاء وقت الظهيرة بشمسه القوية التي تسللت أشعتها إلى غرفة غادة..و أجبرتها على الاستيقاظ..تثاءبت غادة..و مطت شفتيها في ملل..ثم أسرعت تغسل وجهها و تبدل ثوبها..فوقت الغداء بات وشيكاً..
وضعت غادة بعضاً من المساحيق على وجهها لتخفي آثر الإرهاق المحفورة في أركانه..و هذبت شعرها..و ما أن همت أن تغادر غرفتها حتى علا صوت الهاتف..أقبلت غادة إليه..و رفعت السماعة ..و قالت بصوت بارد:ألو..
-السلام عليك يا غادتي..ما به صوتك؟
-و عليك السلام..لا شيء لكنني لم أنم جيداً البارحة..
-غادة..أود أن أزورك اليوم..فأنا..
-عادل أرجوك فأنا متعبة بعض الشيء..هلا زرتني في يوم آخر..
-غادة أصدقيني القول..ما بك؟..فكلما اتصل عليك أجدك نائمة..أو متعبة..و حتى لو كلمتك فإنك تدوماً تسرحين بذهنك ..هل هناك ما يقلقك..
-..................
غادة؟
-نعم عادل..هل قلت شيئاً..
-أ رأيت..أنت لست طبيعية..يبدو لي و كأنك تتهربين مني..
-لا تقل هذا يا عادل..أنا مشغولة فقط بامتحاناتي..
-بودي أن أصدقك....قلبي يقول غير ذلك..
-دعك من قلبك..و اسمع كلام غادتك..
-ليس أمامي خيار آخر..
-سأتصل بك لا حقاً..
-لقد سمعت هذه الكلمة مراراً لكنني أنا من يتصل دائماً..
-عادل..أرجوك..
-حسناً..حسناً اعتني بنفسك..
-إلى اللقاء..
-إلى اللقاء..
أقفلت غادة الخط و تنهدت بقوة و همست لنفسها: متى سأرسم نهاية لكل هذا؟.. متى؟
اتجهت غادة إلى باب غرفتها و ما أن فتحت بابها حتى سمعت صوت رهف تجادل والدتها بشأن العريس المتقدم لها..رهف ترجو أمها أن تغير مفاهيمها من أجلها..و والدتها تصر على رأيها..فما كان من غادة إلا أن عادت أدراجها و قد تركت باب غرفتها مفتوحاً...فلقد ملت من سماع تلك الأسطوانة يومياً..و بات تكررها أمراً مألوفاً بالنسبة لها..فاقتربت من هاتفها و تطلعت إليه في وله و هي تردد:لقد اشتقت إليه..هو الوحيد القادر على رسم الابتسامة على ثغري..
رفعت غادة سماعة الهاتف و ضربت أصابعها الأرقام في عجل..و كادت تعتصر السماعة عندما جاءها صوته قائلاً:غادة..حبي كيف حالك؟؟
تبسمت غادة و كأن المياه قد عادت إلى وجهها الشاحب و قالت:بخير ما دمت بخير..لكن شوقي إليك أتعبني..ألن نلتقي ثانية..
-أحلم بذلك..متى تريدين أن يكون اللقاء؟
-سأرتب ذلك ثم أخبرك..ربيع..كيف حال حبنا..؟
-إنه يزداد صلابة مع الأيام..
-ألن تشغلك الأيام عني؟
-كيف لها أن تنسيني حياتي..غادة أنا أحبك..أحبك..أحبك...
ضحكت غادة في دلال و عقبت:إلى اللقاء الآن يا حبي..
-كلا غادة لا تنهي المكالمة...
-لا أستطيع أن أطيل..إلى اللقاء يا ربيع..
-إلى اللقاء يا زهرتي الرائعة.
أقفلت غادة السماعة و ارتسمت عليها علامات الفرح و السرور..و ارتمت على سريرها و هي تتمتم في و له:إنه يحبني..
>>غادة من ربيع؟؟<<
اعتدلت غادة على سريرها..و ألقت نظرة إلى مصدر الصوت الذي لم يكون سوى رهف التي اقتربت في عصبية و هي تكرر:هذا الاسم..هل هو خطيبك السابق؟
ذهلت غادة من وقع المفاجأة..و تبخرت الكلمات على أطراف لسانها..بينما عادت رهف تكرر:غادة أ هو خطيبك السابق..؟
تلعثمت غادة و أجابت:اخفضي صوتك ستسمعنا أمي يا رهف..و مع آخر حروفها جرت غادة نحو الباب و أغلقته بإحكام و من ثم تسندت عليه و أكملت:رهف الأمر ليس كما تظنين؟
رمقتها رهف بنظرات استنكار و أكملت:ليس كما أظن...هل هو خطيبك السابق أم لا..؟
-.................
-غادة أجيبيني..
-بلى هو..
-لقد طفح الكيل يا غادة..خفت أن تسمعنا أمي و نسيت من يراك لحظة بلحظة؟..ما عدت أفهمك..
هتفت غادة:يكفي رهف..هذه حياتي..
-حياتك ليست ملكاً لك و حدك..إنها متعلقة بسمعتنا و مصيرنا..
-أنا أحادثه فقط لا أكثر..
ازدادت عصبية رهف و هي تقول:فقط..كم أنا محظوظة بأنك أختي..
هتفت غادة بدورها :رهف ليس ذنبي أنك لم تتزوجي إلى الآن فلا تحطمي حياتي بغيرتك..
تسارعت أنفاس رهف في استنكار و عقبت:ما الذي تقولينه؟
-نعم أنت غاضبة لأنني جذابة و الكل يحبني و يهواني..أنت قلتها يوماً يا رهف..
-لقد كنت في حالة غضب و ضعف فحسب..
-بل أنت كذلك..يوماً ما ستفعلين ستمسكين بسماعة الهاتف في سبيل أن تجدي من يسقيك جرعات من الحب..
صرخت رهف قائلة:اصمتي يا غادة..اصمتي..
لكن صوتها بدأ يذهب شيئاً..فشيئاً..و بدت على وجهها ملامح التعب...مما جعل غادة تقترب من أختها و هي تسأل في قلق:رهف..هل أنت بخير؟..رهف..
لكن رهف لم تجبها..بل انهارت تماماً..و وقعت على الأرض..لتصرخ غادة بجل صوتها:
رهف أختي ماذا حل بك؟ ...
****************************** *******

إلى اللقاء..

تــيــمــة
11-04-2003, 05:23
الجزء الخامس عشر : لحظة صفاء
صوت مخطط القلب يقطع الصمت في كل ثانية .. كما يقطع الخط الأحمر ذو المنحنيات الشاشة السوداء المخيفة .. تلك الشاشة التي لطالما أعلنت وفاة البعض وأنذرت بقرب أجل البعض الآخر .. تلك القطعة كالحة اللون التي تبقى العيون متعلقة بها رغما عنها .. تتطلع في قلق .. فتبتسم حينا وترتاع أحيانا ..

بحثت غادة بين سطور المنحنيات عن مشاعر أختها .. فلم تنبئها بشيء .. يا لهذه الأجهزة الجافة .. ألا يستطيع هذا الجهاز أن يفهم أن القلب ليس مجرد عضلة تنبض بإيقاع مدروس و منتظم ؟؟
ألا يمكنه أن يعي يوما أن هذا المكان مخزن لضمائر البشر وأحلامهم وأحاديثهم السرية .. مجلس لأحبائهم .. ومرتع لمعاناتهم .. وحافظ لأسرارهم ....... أوااااه أيها القلب .. بقدر ما نحبك ونعلي مكانتك بقدر ما تعذبنا وتحيل حياتنا جحيما ..

استطالت اللحظات .. ورهف في غيبوبة تبدو بلا نهاية .. مل الجميع الانتظار .. وتكاثرت الأسئلة .. وازدحمت الاستفهامات .. وكل ذلك يرد عليه الطبيب بإيماءة غاية في الاختصار .. لا يفهم منها شيء ..

رهف في غيبوبة ........ ترى أي شيء ترى الآن في مخيلتها .. وبأي شيء تفكر ؟؟ أم أنها لا تعي شيئا .. وتسبح في بحر من العدم ..

كانت أم غادة تنظر إليها بريبة مشوبة بالتأنيب .. وكلما التقت نظراتها تراجعت الذكريات بغادة إلى لحظة سقوط رهف بين يديها .. لقد دب الرعب في كل خلية من جسمها .. وظنت لوهلة أن شقيقتها الحبيبة قد فارقت الحياة .. وسرعان ما ظهرت أمها نتيجة لصراخها الهستيري .. وكادت غادة أن تفقد الاثنين معا بسبب عدم تماسكها ..
وحين نقلت رهف إلى المشفى ألحت أم غادة على سؤالها عما دار بينهما من حوار ... وكانت الورطة شديدة التعقيد هذه المرة .. لكن غادة خرجت منها بحل سهل ومقنع جدا .. لقد ألقت بالسبب على آخر ما سمعته من حوار بين رهف ووالدتها .. انه العريس يا أمي ... لقد أثرت حفيظتها بما يكفي .. وقتلت آمالها برفضك ..

يا لهول ما أفعل .. لم أكن أعلم بأني دنيئة لهذه الدرجة ... ألا يكفي أن ألقي بالتبعات على غيري حتى أضيف إلى هذا الإثم إشعار والدتي بالذنب بدل رعايتها والتخفيف عنها ؟؟

تعاقبت الساعات .. فطلبت أم غادة منها أن تعود للمنزل .. بينما تبقى هي كمرافق .. وولت غادة .. تجر أذيال الخيبة والقلق ..

واحتواها البيت وحدها .. فاحتضنت وسادتها .. وأخذت تبكي بحرقة .. لقد باتت تكره نفسها .. فكل يوم تتكشف لها حقارتها وشر دخيلتها .. كل يوم تخطو نحو الرذيلة خطوات واسعة .. ترى كم بقي لتصبح في عداد الشياطين ؟؟ وهل لمثلها أوبة ؟؟

مرت عدة أيام .. علمت فيها غادة أن شقيقتها دخلت في غيبوبة بسبب مرض القلب .. ولا يعلم أحد متى ستصحو ... إن كان هناك أمل في صحوتها ..

وأصيبت غادة من جراء ذلك بحالة اكتئاب مزمن ... وازداد تناولها للحبوب المهدئة ... وظهرت الهالات السوداء حول عينيها إضافة إلى هزالها الشديد ... مما أثر على فقر الدم .. فأصبحت تتكرر عليها الاغماءات .. وصار الدوار ملازما لها ...
وصفها عادل بأنها أصبحت خيالا ... وبأنه يخشى ألا يجدها يوما ... وقد بلغ قلقه عليها أقصى درجاته ... وبات الشك يراوده ...
أما ربيع .. فقد كان أنسها الوحيد .. وملاذها من هذا الحال المزري .. كانت تشكو له كل شيء .. لكنه لم يروي ظمأها بالرغم من ذلك ... لأنها كانت تبحث عمن يكشف لها حقيقتها ويعرفها بنفسها أكثر .. لا عمن يستر عيوبها .. ويغطيها إلى أجل ..
وازداد الغم وتكالب عليها الهم ... فقالت لنفسها : لماذا أهرع دائما لربيع وأشكو إليه .. بينما يكون حديثي مع عادل سطحيا بعيدا عن أعماقي ودواخلي ؟؟
بدا لها كأن مصباحا أضيء في ذهنها .. فهي لم تفكر في ذلك من قبل ..
أسرعت إلى الهاتف .. ورفعت السماعة ضاغطة على رقم عادل بيد مسرعة مرتجفة :
- آلو ..
- مرحبا عادل ..
- وعليكم السلام .. هذه تحيتنا ... غادة غير معقول ..
- لماذا ؟؟ أليس من حقي أن أتصل بك ؟؟
- لم أقصد هذا .. لكن المرات التي تتصلي بها علي تعد على الأصابع .. إن هذا يوم السعد بلا شك ..
ضحكت مجاملة .. خفق قلبها .وهي تستعيد قرارها .. وتلعثمت في محاولتها للبدء ..
- ما بك يا عزيزتي .. أما زلت حزينة من أجل رهف ؟؟
- ايييييه يا عادل .. وهل يمكنني نسيانها ؟؟
- هوني عليك .. فلو كانت مستيقظة لما رضيت بما تفعلينه بنفسك ..
بدأت الدموع بأداء مهمتها اليومية.. واهتز صوت غادة وهي تقول :
- أخشى بأنها لن تسامحني حينها .. صدقني أعتقد بأنها ستكون سعيدة بحالي هذا ..
- ما هذا الذي تقولينه ؟؟ غادة حبيبتي لا تجعلي الأحداث ت ..
- أرجوك أن تسمعني حتى النهاية يا عادل ..
- أمرك .. تفضلي يا غالية ..
- عادل أنا .. أنا .. أنا السبب .. فيما حدث لرهف ..
- ............ أسمعك ..
- أجل .. أنا السبب .. لقد جرت بيننا مشادة كلامية ... بدأت أتهمها بأنها تغار مني ... ولم يحتمل قلبها الضعيف هذه الاتهامات القاسية .. فسقطت حالا .. عادل .. أشعر بأنني أسوأ انسانة في الوجود .. ليتك تعرفني على حقيقتي .. حتى أنت كنت دائما أخطئ بحقك .. أرجوك أن تسامحني .. عدني بأنك ستسامحني مهما فعلت .. عادل .......... أنا أحبك ..
في هذه اللحظة .. وبينما يمارس عادل دور المستمع الصامت .. انغرست هذه الكلمة في قلب غادة بعنف .. ووجدت نفسها تستنكر ما قالته ....... ماذا .؟؟ أحبه ؟؟ بأي درجة من الصدق قلت هذه الكلمة ؟؟
لم تستطع أن تكذب نفسها .. أو تجد مبررا لما قالته سوى ما وصلت إليه من صفاء مشاعرها وانقشاع بعض ما اختفى عنها من أحاسيس ..
والتقطت أذناها كلمات عادل المواسية بينما كانت تفكر في هذا الأمر ..
- أتعرفين .. هذه أول مرة أراك فيها في لحظة ضعف .. حبيبتي .. هل تسمحين لي بزيارتك الآن ؟؟ فلدي ما أقوله لك .. وأفضل أن يكون وجها لوجه ..
هتفت من بين دموعها :
- أجل عادل .. تعال .. أنا بحاجة إليك .. كن بجانبي ..
وطار عادل إليها .. وفي لمح البصر وجد نفسه أمام باب المنزل الموحش يدق الجرس ........
ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ


دونا لو كان تشابهنا كبيرا جدا ... فسيكون غريبا أننا اخترنا الشراكة قبل تعرفنا على هذه التشابهات ..

راسليني اريد أن أخبرك بشيء ...

دونا
14-04-2003, 19:07
الجزء السادس عشر(صراحة)

تنهد عادل ثم عاد ينظر إلى غادة في حزن جامح..تنهد ثانية و قال:
-يا إلهي يا غادة...هل نظرت إلى وجهك الشاحب في المرآة؟..أنت تعذبين نفسك بيدك..بأفكارك..
تنهدت بدورها و قالت:
-كلما أتذكر أنني السبب في دخول رهف المستشفى أشعر أنني سأجن..أشعر أنني زففتها إلى الموت بيدي..
-لا تقولي ذلك..رهف في غيبوبة فحسب..
-ما الفرق بين وضعها..و بين الموت؟
-الأمل يا غادة..ستفيق من غيبوبتها بإذن الله و تعود إليكم..
-متى؟....متى؟..
و مع آخر حروفها أخذت غادة تبكي بحرقة...اقترب منها عادل و حاول تهدئتها قائلاً:
-غادة..كل شيء مكتوب قبل أن نأتي إلى هذا العالم...إنه القدر..و لا نملك حياله غير الرضا و التسليم..كفكفي دموعك..فهي لن تفيد..ادعي لها في كل أحوالك..في جلوسك و وقوفك...في صلاتك و خلوتك..إنها الآن في أقصى الحاجة إليك...إلى إحساسك بها..و حبك لها..و خوفك عليها...لعلها تشعر دون أن تعي..لعلها تسمع دون أن تفيق..كوني بجوارها دوماً بقلبك و دعائك..كفى دموعاً بالله عليك..ارحمي هاتين العينين..
حاولت غادة أن تتماسك..و شعرت ببعض الأمان..لقد طمأنها كلام عادل..و أثار فيها الشجون..همست لنفسها:معك حق يا عادل أنها لعبة القدر..ربيع...و عادل...أحدهما يؤنس قلبي..و الآخر يطمئن روحي...أي منهما الواقع..و أي منهما الخيال..من هو الذي أحب؟؟...عادل الحنون...أم ربيع العاشق...
-غادة؟....إلى أين ذهبت..
تنبهت غادة إلى صوت عادل و تمتمت:لا شيء..
-أ ما زلت تفكرين بها؟
-عادل...أتعدني أن تصدقني القول؟
-و متى كذبت عليك يا غادة؟!
-من أنا..؟
-أنت غادة..
-و من تكون غادة؟
-غادة ماذا دهاك ؟...كفي عن الألغاز..
-هل أنا سيئة ؟.. قاسية؟...بلا مشاعر؟
-ما الذي يجعلك تقولين ذلك؟
-أجبني يا عادل.. لماذا تظنني أقول ذلك؟
-سأكون صريحاً معك...منذ عودتي من السفر و أنا أشعر بمدى تغيرك..تخالجني الريبة في تصرفاتك..تتهربين من النظر إلي...تسرحين...و تتململين أحياناً من حضوري..و كأنني بت شخصاً بارد الملامح في حياتك...تذكرينني بالأيام الأولى من خطبتنا...غادة هل نضب حبك نحوي..
-كلا يا عادل..
-هل ازداد؟
-.............
-غادة هل تحبين شخصـ...
نظرت غادة بحركة حادة إلى عادل و قالت:ماذا قلت؟
تلعثم عادل و أجاب:
-لست أدري ماذا دهاني..أعوذ بالله من الشيطان الرجيم...أنا آسف يا غادة..اغفري لي...لقد أتعبني التفكير أنا أيضاً..ابتعادك عني مؤخراً و طريقة تعاملك أشعلت الصراع في أعماقي..تساءلت كثيراً عن ما أصابك نحوي..و لم أجد تفسيراً سوى..أعوذ بالله من الشيطان الرجيم...
-أنت لا تثق بي...فكيف لنا أن نكون زوجين؟
تنبهت غادة لعبارتها تلك و تساءلت في أعماقها:لماذا أبحث عن ثقته و أنا..لماذا أنا قلقة بشأن ذلك..أتراني أحبه؟
انتزعها صوت عادل الذي أجابها قائلاً:
-نحن زوجان بالفعل..غادة أنا أخشى أن أفقدك ..كما أن للثقة حدود..فإن زادت باتت تفريط..و إن قلت عن حدها المعقول تحولت إلى شك..غادة المسألة متعلقة بقلبي أنا..لا أكثر..
شعرت غادة ببعض الضيق..لقد ظهرت لها حقيقتها جلية واضحة..و هذا ما أربكها و جعلها تقول و قد همت بالمغادرة:
-أكاد أختنق يا عادل..سأذهب إلى غرفتي..أريد أن أعزف على البيانو..فذلك سيريحني..قليلاً..
-لكني لا أنوي أن غادر..
-عادل أرجوك..
-غادة هذا ليس عدلاً..كلما ناقشتك في أمر ما فررت هاربة..
-عادل دعني وشأني أشعر بصداع يفتت رأسي..
-غادة أرجوك..لطالما أجبت رغباتك..من حقي أن تطيعيني و لو مرة أنسيت إنني زوجك...إن كنت تغضبين من أفكاري فأثبت لها خطأها..
نظرت غادة إلى عيني عادل..فرأت تلك النظرات القلقة..المهتمة التي لم تكن قد رأتها قط في عيني ربيع..تلك النظرات جذبتها في صمت و جعلتها تجلس مستسلمة مستمعة..عندها أكمل عادل:
-غادة لم أكن صريحاً معك قبلاً كما سأكون صريحاً معك الآن..
-أنا أستمع..
-غادة..ما تشعرين به من هم و ضيق ليس بسبب ما حدث لرهف فقط..
-لماذا أشعر بالضيق إذن..أه صحيح ربما أحب شخصاً آخر..
لقد رمت غادة بهذه العبارة حتى تخرج كل ما في أعماق عادل من شكوك و ظنون نحوها..لكنه خيب ظنها بإجابته حيث قال:أخطأت يا فتاة...لم أعني ذلك..غادة حجابك.. عزفك على البيانو..شغفك بالتصوير..و الموسيقى...ألا تظنين أن لها أي تأثير فيما تشعرين به حالياً..
تنهدت غادة و همست لنفسها..يبدو أنه سيمطرني بالنصائح هو الآخر..أيريد أن يلعب دور رهف..آه يا رهف..
تنهدت غادة ثانية و أجابت في جفاف:
-عادل صوت البيانو يطربني..ينسيني همومي..
-بدليل تلك العينين التي يبدو أنهما لم تذوقا طعم النوم الهانئ منذ أيام..غادتي..هل جربت قراءة القران في أعماق الليل..أعلم أنك تملكين صوتاً عذباً..فهلا رتلت به القرآن..غادة جربي قراءته و لو مرة..ستشعرين بشيء عجيب ينساب في أعماقك...ستنامين قريرة العين...عندها ستندمين على اللحظات التي قضيتها أمام البيانو..
-أتناقض نفسك... أنت أحببتني و أنا هكذا يا عادل..
-غادة أنا لم أحببك لتصرفاتك أو لجمالك..لقد أحببت روحك..غادة أنا مسئول عنك..و قلق عليك..
-فلتهتم إذن ب...
بترت غادة عبارتها فجأة...و تذكرت رهف.. همست لنفسها هي الأخرى كانت تقول أنها قلقة علي...هل أنا على خطأ و الكل على صواب..كلا الكل يفعل مثلي..صديقاتي..المجتمع المحيط بي..المذيعات..المشهورين..أنا على صواب..آه يا رهف..اشتقت لنصائحك المملة..
نظر إليها عادل متأسفاً و قال:
-لا بأس يا غادة..أنا ذاهب..
-انتظر يا عادل..هل لك أن تأخذيني إلى رهف..أريد أن أكون بجوارها كما قلت لي..
ابتسم عادل و قال :سأنتظرك في السيارة....
أعدت غادة نفسها و مضت بسرعة إلى عادل..و ما أن رأى ذلك الأخير حجابها حتى تنهد قائلاً:غادة..
أجابته على عجل:أنا أحتاج إلى بعض الوقت يا عادل..
أدار عادل المحرك و مضى نحو المستشفى..خيم الصمت ثقيلاً على السيارة..حتى وصل الاثنان إلى المستشفى..عندها قالت غادة لعادل:عادل لقد ارتحت بالحديث إليك..
-حقاً..أم أنك تجاملينني..
-ما حاجتي للمجاملة..عادل هل ستظل تحبني..
-بالطبع..
-مهما فعلت...
نظر إليها عادل ملياً ثم ابتسم و أجابها وهو يغادر:مهما فعلت..
ظلت غادة ترقب سيارته التي اختفت تماماً بين الزحام ثم اتجهت نحو غرفة أختها..و ما أن وصلتها حتى فتحت الباب بهدوء...كانت والدة غادة نائمة على كرسي بعيد عن سرير رهف..فاقتربت غادة من رهف..تأملتها..و تمتمت :كم أنت صفراء يا رهف و شاحبة..
أمسكت غادة كف أختها و قبلتها..و عادت تتمتم :هل تسمعينني يا رهف..أنا آسفة..رهف أفيقي بالله عليك..أمي نذرت إن استيقظت من غيبوبتك ستزوجك لمن تختارين..هل أنت سعيدة..رهف أنا بحاجة إليك..شاجريني..أنبيني..أمطريني بنصائحك التي لا تنتهي..لكن لا تتركيني وحدي...سأكون طوع أمرك..رهن إشارتك..رهف أنت عمري..و ساعدي..ربما كنا مختلفتين لكن دمنا واحد..أرى في ملامحك شيئاً مني..أرجوك أفيقي..
شعرت غادة بيد تربت على كتفها فالتفتت لصاحبتها..فإذا هي والدتها ..
سألتها غادة قائلة:أمي لماذا لا تجيب؟اشتقت لسماع صوتها..
احتضنت الأم ابنتها و همست:ادعي لها يا غادة..ادعي لها يا حبيبتي..

****************************** ******


آسفة حقاً لـتأخري...
أشكركن جميعاً..
(رد مختصر لأنني على عجلة من أمري)
في أمان الله

تــيــمــة
19-04-2003, 04:33
الجزء السابع عشر : عودة وقرار ..
في تلك الليلة استحضرت غادة كلمات عادل في ذهنها كلمة كلمة .. كانت تشعر بغرابتها وتميزها .. لم يسبق لأحد أن أراح قلبها بكلماته كما فعل عادل اليوم ...
تململت غادة في فراشها .. كم أصبحت تكره وقت النوم وتتمنى ألا ينتهي النهار أبدا ..
وضعت كفها أسفل خدها وأخذت تحاول جاهدة أن تنام بلا فائدة .. أغمضت عينيها فرأت هذه العبارة مكتوبة بكلمات مضيئة :
هل جربت قراءة القران في أعماق الليل ؟؟
وسرعان ما وجدت نفسها تنهض من سريرها لتتناول المصحف المغبر وتفتحه بشكل عشوائي ..
نظرت إليه بوجل ... وارتسم على محياها الحزن والشوق .. أخذت نفسا عميقا ثم قرأت :
( قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى * وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى )
واختنق صوتها بالبكاء ........ فأغلقت المصحف ووضعت يديها على وجهها تبكي أيامها .. تبكي آلامها .. وتبكي مصيرها ...
ووجدت لسانها يخاطب ربها من بين الدموع بصوت مرتجف :
- يا رب .. يا ربي اني أسرفت كثيرا .. كثيرا جدا .. يا رب .. أكنت تخاطبني بكلماتك ؟؟ أشئت أن أفتح هذه الصفحة بالذات لأتلقى رسالتك ؟؟ أجل أجل .. الهي .. اني المعنية .. اني أنا المعرضة عن ذكرك .. أنا العمياء .. لالا بل أنا البصيرة بفسقي .. كل شيء واضح أمامي .. رزقتني العقل المفكر والإرادة والعلم .. ووضعت في طريقي أناسا ينصحونني ويبصروني بما أغلق عيني عنه .. لكنني أعرضت عن كل ذلك .. فابتليت بضنك العيش .. فهل تقبل يا رب توبتي ؟؟ هل تقبل أوبتي ورجعتي ؟؟ هل تنظر إلى بعدما أغضبتك كثيرا ولم أبالي ؟؟ أم ستحشرني عمياء كما قلت لي قبل قليل ؟؟ هل ستحفظني وترعاني ؟؟ أم ستنساني ؟؟ يا رب لا تنساني .. أرجوك .. ماذا أفعل بدونك ؟؟ والى من تكلني ؟؟ رب أنت اللطيف فالطف بحالي .. أنت المنقذ فأنقذني من تخبطي .. أنقذني من عنائي وحيرتي .. ألهمني الصواب وجنبني الزلل .. بين لي طريقي .. أأختار ربيع ؟؟ أم عادل ؟؟ ربيع أم عادل يا رب ؟؟ يا رب ..
وتطاولت بها اللحظات .. ما بين تفكير ودعاء وبكاء .. ما بين ندم وعزم على اتخاذ القرار ..
تذكرت رهف ورقدتها المجهولة .. ترى لو كانت مكانها ماذا ستفعل .. وما الذي سيحدث من حولها ؟؟
من سيكون الأسبق للاطمئنان عليها ؟؟ ومن سيلازمها ويلهج لسانه بشفائها ؟؟ من يحبها أكثر ؟؟

شقشقة العصافير تتعالى بالخارج وضوء فجري خافت قد بدأ يتسرب .. يا الهي هل نامت حقا ..؟؟

رن هاتفها المحمول .. نظرت بقلق إلى شاشته .. انه ربيع .. هل تتجاهله ؟؟ إنها لم تتخذ قرارها بعد .. لكن قلبها غلبها فالتقطت الهاتف بسرعة من يخاف أن يتوقف رنينه وضغطت الزر الأخضر ..

- آلو ..
- صباح الورد الجوري ..
- ربيع ..
- هل كنت تفكرين بي ؟؟
- ربيع .. اسمعني ..
- بل أنت اسمعيني .. أشتقت اليك .. لم أعد أتحمل غيابك .. أرجوك أن توافقي على التقاءنا ثانية .. ارفقي بساكن قلبك .. أم أن ساكنه قد غادره ؟؟
- لا .. لم يغادر .. لقد تغلغلت جذوره في أعماقه حتى باتت تؤلمه وتدميه ..
- ألهذه الدرجة حبي يعذبك ؟؟
- بل انه يقتلني كل يوم ألف مرة .. لذلك .. أعتزم على ..
- لا تقولي بأنك ستتركينني .. هذا يعني نفيي إلى عالم موحش .. عالم خرب كئيب .. أنت من تضفين على حياتي الجمال والعذوبة والرقة .. أنت بمثابة الماء الذي يجري على الصحراء فيجعلها حديقة غناء .. أنت عمري يا غادة ..
ترقرقت العبرات في مقلتيها .. وقالت :
- لماذا أسأت الظن ؟؟ لم يكن هذا مقصدي يا ربيع الحياة .. أنا إن كنت ماء حياتك .. فأنت الهواء الذي أتنفسه .. لكنني لا أستطيع تجاهل نداء العقل .. صبرا يا ربيع .. لا تفهمني خطأ .. كل ما أريده منك أن تتوقف عن محادثتي حتى أتصل أنا بك .. وعندها سأشرح لك كل شيء .. والآن أرجوك أن تنهي المكالمة ..
- هل بيننا أسرار ؟؟
- لا .. قلت بأني سأخبرك .. لكن في الوقت المناسب .. رجاء ..
- حسنا .. كما تشائين .. ثقي بأنني سأنتظر مكالمتك اليوم قبل الغد ... لا تطيلي عذابي ..
- لا .. لن أرتاح طالما تتعذب أنت .. لذلك سأعجل قدر استطاعتي ..
- إلى اللقاء ..
- مع السلامة ..

وفي المساء .. اتصلت غادة بعادل وطلبت منه المجيء لأمر هام ... ثم أغلقت السماعة .. واحتوت نفسها بذراعيها بينما راحت دموعها تهمي ... كما لم تفعل من قبل ..




اختلست هذه اللحظات من بين ركام الأشغال .. لكن غيبتي لم تنتهي بعد ..
أراكم بخير أحبتي ..
دونا ....... ( توقعت أن أجد رسالة )
لك حبي ..

دونا
22-04-2003, 18:28
الجزء الثامن عشر (اعتراف)
تعلق بصر غادة بعادل الذي كان يجلس أمامها و كأنها تراه للمرة الأولى...مما جعل عادل يسأل غادة في استنكار:
-لماذا تنظرين إلي هكذا؟..هل أنا وسيم إلى هذه الدرجة..
تنبهت غادة لحالها فأشاحت ببصرها و لم تجب..فعقب عادل قائلاً:
-أ تعلمين تبدين اليوم أفضل من البارحة بكثير..
ابتسمت غادة ابتسامة صفراء و عقبت قائلة:
-ذلك لأنني استمعت إلى نصيحتك..
-حقا.. لا أصدق..أخيراً يا غادة...الحمد لله..الحمد لله..
نظرت إليه غادة بنظرات حزينة..و تساءلت في أعماقها..هل أخبره؟..هل أحطم سعادته؟..كلا لا أستطيع..إنني لا أستطيع..علي أن أنهي الأمر..لقد اتخذت قراري .. من حقه أن يعلم..مهما كان ذلك صعباً..أو مستحيلاً..من حقه أن يعلم..لن أتراجع..نعم لن أتراجع...
جذبها صوت عادل نحو الواقع قائلاً:غادة فيم سرحت؟
-عادل..أريد أن أطلب منك طلباً...
-طلباتك أوامر ..ماذا تريدين مني يا أميرتي؟
-عادل أرجوك..كف عن تلك الكلمات فأنا لا أستحقها..
-كيف لي أن أكف؟!..أنت حبي..و زوجتي..أنت سعادتي و مستقبلي..بل حياتي بأسرها...باختصار أنت كل شيء..
تطلعت غادة إلى وجهه و أجابت بصوت مخنوق:أنت مخطئ...أنا لا شيء..
-لماذا تقولين ذلك..غادة لم أعهدك هكذا..ما الأمر؟
انطلقت دموع غادة غزيرة..لقد حاولت أن تبقيها حبيسة المقل لكن بلا جدوى..عندها اقترب منها عادل و همس لها قائلاً:غادتي..لا تبكي..أرجوك لا تبكي...غادة دموعك تهزني..
صرخت غادة من بين دموعها قائلة:بل أنا من يرجوك يا عادل...أطلق سراحي..
-أطلق سراحك؟!..
ارتفع صوت غادة أكثر و هي تقول:
-نعم يا عادل..أرجوك طلقني...
نظر إليها عادل كالمصعوق و تراجع قائلاً:أ هذا طلبك؟
شعرت غادة أن الكلمات تحتضر في جوفها فما كان منها إلا أنها أومأت برأسها إيجاباً..
وضع عادل رأسه بين كفيه و هو يتمتم:لماذا؟..ماذا فعلت حتى تطلبي مني المستحيل؟
استجمعت غادة بعض قواها..بينما ظلت دموعها تهطل في غزارة و هي تقول:العيب فيني و ليس فيك..أنت أنبل رجل عرفته في عالمي..حنانك كان يدثرني...طيبتك..معدنك..عادل..أ ي فتاة في العالم تحلم بفارس مثلك..لكنني لا أستحقك..
التفت إليها عادل في حركة حادة و قال:أقبلك بكل عيوبك..
صرخت غادة قائلة:عادل..ألا تفهم..أريدك أن تطلق سراحي..
صرخ عادل بدوره قائلاً:هكذا بكل سهولة..ماذا عن أحلامنا..عن خططنا..عن عائلتنا؟!
-أحلامنا لم تعد واحده يا عادل...كل منا عليه أن يمضي في سبيل..
-غادة... كنت أراك تتغيرين..تبتعدين..كنت أشعر بك تذبلين بين أناملي.. و لكن لم يخطر ببالي أن أفقدك نهائياً..أ ما عاد لي مكان في قلبك..؟
-.............................. ...
اقترب منها عادل أكثر و كرر عليها سؤاله..لكنها لم تجبه..فأمسك كتفيها بكفيه و صرخ فيها مكرراً:
-أ ما عاد لي مكان في قلبك..هل انتهى كل شيء..؟
لكن غادة لم تجب بل مررت كفيها على و جنتيها لتمسح دموعاً أبت أن تجف..
فكرر عادل سؤاله مرة أخرى..عندها تطلعت إليه و قد استجمعت كل قوتها و أجابته في حزم:نعم يا عادل..لم يعد هناك مكان لك في قلبي..كف عن تعذيبي..أعطني حريتي..
تراجع عادل في صمت و قد اكتست ملامحه بالذهول و هو يردد:مستحيل..
عقبت غادة في أسى:إنها الأقدار يا عادل..كل شيء مكتوب قبل أن نكون في هذا العالم..أنسيت؟!..لا شيء مستحيل..
شعر عادل بنفسه يتهاوى..فتطلع إليها..و هو يتمتم:
-أنت لست غادة بالتأكيد..
-و من سأكون غيرها..للأسف ما أنا إلا هي..
أسند عادل ظهره إلى الجدار..و ظل يرمقها بنظرات مطولة..بينما أشاحت غادة بصرها بعيداً لعلها تهرب من نظراته المتسائلة..والمصدومة.. و عندما شعرت بعدم جدوى ذلك عقبت و هي تهم بمغادرة الغرفة قائلة:عادل..سأذهب الآن و أنا على يقين أنك ستعطيني ما طلبت..
لكن يده أمسكت معصمها بقوة..فالتفتت إليه في حركة حادة و هي تهتف قائلة:عادل ماذا دهاك؟
أجابها عادل بلهجة لم تعهدها:ستذهبين معي..
هتفت غادة في ذعر:إلى أين ؟
أجابها بنفس لهجته السابقة:إلى بيتنا..أ نسيت أنني زوجك..و لي حق الطاعة عليك..
حركت غادة رأسها في ذهول و هي تتمتم:أجننت..؟
لكن عادلا أجابها في حزم:أين عباءتك؟
نظرت غادة إليه...لقد بدا جاداً جداً ..و لأبعد الحدود..عندها حاولت أن تخلص يدها من قبضته و هي تصرخ قائلة:لا يحق لك أن تأخذني إلى أي مكان..
عندها صرخ فيها بدوره:أنا أنقذك من نفسك يا غادة..أنت لا تعين ما طلبته..
-بلا أعي..عادل أنا لست مجنونة..
-أعطني سبباً مقنعاً لأعطيك ما تريدين..
-أنا لأحبك يا عادل..
-أنت كاذبة..
-أنا لا أحبك..
-أنت كاذبة...
-لا أحبك ..لا أحبك..دعني فأنا أحب شخصاً آخر..
تنبهت غادة إلى كلماتها التي أفلتتها من بين شفتيها..بينما تسمر عادل في مكانه بلا حراك و هو يتمتم:هل تعنين ما قلته..؟
تلعثمت غادة...و تراجعت حتى استندت على الحائط..فاقترب منها عادل و هو يكرر سؤاله بصوت غاضب...فتسارعت أنفاسها..و همست لنفسها لن أتراجع ..نعم لن أتراجع..كفاني تعذيباً لنفسي..كفاني أرقاً.... أغمضت عينيها فهي لا تريد أن ترى تعابير وجهه و أجابت بحزم:نعم أنا أحب شخصاً آخر..
تراجع عادل بضع خطوات..عندها فتحت غادة عينيها لتراه..لقد بدا لها شخصاً آخر لا تعرفه..نظر إليها عادل نظرة نارية و سألها:منذ متى...؟
تجمدت الكلمات على أطراف لسانها فأعاد عليها سؤاله في عصبية لم تعدها :منذ متى..؟
أجابته و قد عاودت دموعها الهطول:منذ أن عدت من سفرك الأخير..
-من هو؟
-...................
-قلت لك من هو يا غادة..؟
-أتعدني أنك لن ترتكب أية حماقة...
-أتهتمين لأمري؟..لا أظن ذلك..انطقي ...من هو يا غادة..؟
-عادل أرجوك..
-أ كاد أفقد صبري...من هو..؟
-إنه....إنه خطيبي السابق..ربيع..لقد اتصل بي منذ مدة و...
بترت غادة عبارتها بسرعة...بينما مرر عادل يده على رأسه في عصبية و هو يتمتم:خونتي يا غادة..هكذا بكل بساطة..
أشاحت غادة ببصرها..بينما ابتسم عادل وسط عصبيته ساخراً و هو يقول:يا لي من مغفل؟..كان علي أن أتنبه لتلك النظرة التي بدت على وجهك عندما أخبرتك بشأن أفكاري...يا لي من مغفل إذ أحببتك يوماً..لقد خنتني يا غادة..
عقبت غادة في حزن:عادل..اســ...
صرخ فيها عادل قائلا:يكفي يا غادة..ماذا ستقولين لي..؟بماذا ستبررين موقفك؟..أنت لا تملكين عذراً واحداً..
ثم رمقها بنظرة مطولة و عقب:معك حق نحن لا نناسب بعضنا البتة..
-.................
-لم تبكين يا آنسة..يا محترمة..يا وفية..لم تبكين..يا إلهي هل آذيت مشاعرك؟..أنسيت أنك أنت من خنتني لا أنا؟
-............................
-كفي عن دموع التماسيح تلك..
-.............................
-قلت لك كف عن البكاء..ألا تسمعين..لا أريد أن أسمع صوتك
-.............................. .
-كف يا غادة..
و مع حروف كلماته تلك ارتفعت يده لتصفع غادة لكنها تراجعت بسرعة...
فتمتمت غادة قائلة:لك أن تضربني يا عادل..لك أن تقول ما شئت..فذنبي و ذنبك هو الحب..
-و هل تركت لي شيئاً حتى أقوله..لقد صدمتني..أطلقت علي رصاصة محكمة...دمرتني..حسبي الله و نعم الوكيل فيك..أعطيتك كل شيء..كل ما أملك..و في النهاية كان جزائي السم الذي زرعته بيدك في أحشائي..قطعت كل ما بيننا..و أحرقت كل جميل في علاقتنا...لقد انتهى كل شيء.
نظر عادل إليها نظرة الوداع...و مضى مغادراً..تجمدت غادة في مكانها للحظات..و من ثم أسرعت تركض خلفه ..حتى وصلت فناء منزلهم..صرخت باسمه لكنه لم يجبها..صرخت باسمه مرات متتالية فتوقف و لم ينظر إليها..عندها اقتربت منه ..و أخرجت من جيبها العقد الماسي الذي قدمه لها و مدت به يدها و هي تقول:أنا لا أستحقه يا عادل..خذه.
نظر عادل إلى العقد ملياً ثم أشاح بوجهه قائلاً:عندما قدمته لك لم أفكر إن كنت تستحقينه أم لا..لقد قدمته لك لأنني كنت أحبك..
-إذن خذه..فأنت لم تعد تحبني..
التفت عادل إليها بحركة حادة..و أجابها بصوت بارد:أنت طالق يا غادة..
****************************** *****











:26:لكن من :24:

تــيــمــة
24-04-2003, 03:31
الجزء التاسع عشر : هذا هو الواقع ..
ظلت غادة تنظر إلى الباب حيث كان يقف عادل .. هذه هي آخر مرة تراه فيها ..
ترددت كلمة ( أنت طالق ) في أذنها فأغمضت عينيها بألم .. يا الهي لماذا تسمع هذه الكلمة البغيضة مرتين ولما تصبح زوجة حقيقية بعد ؟؟

استدارت ببطء .. وأخذت تصعد السلالم .. كاسفة البال .. منكسة الرأس .. مكسورة الخاطر .. وعند المدخل استندت بيدها إلى قائم البوابة .. ونظرت إلى موضع قدميها .. يحق لها ألا تنظر إلا إلى هناك .. كيف سيتسنى لها أن ترفع رأسها ثانية بعد كل ما فعلته ..
سقطت دمعتان .. فسارعت بمسحهما وهي تردد لنفسها :
- لماذا أبكي ؟؟ أليس هذا ما أردته ؟؟
التفتت إلى الخلف .. وقالت :
- هل أبكيه ؟؟
شعرت برغبة جامحة لكي تركض خلفه .. ترتمي في أحضانه وتقول : أنا آسفة .. عد إلى ..
عادل .. أي إنسان أنت ؟؟
خيل إليها أنها ترى طيفه .. فبدت على وجهها ملامح العطف والحنين .. مدت يدها إلى فمها تكتم شهقة خفيفة .. لماذا تشعر نحوه بهذا الانشداد ؟؟
صرخت وهي تهز رأسها بعنف ..
- الممنوع مرغوب .. هذا كل شيء .. كل شيء ..
وأخذت تركض ناحية غرفتها وهي تردد هذه الكلمات بصوت يقطعه البكاء كل حين ..
وحالما وصلت لحظتها والدتها فتبعتها بانزعاج وخوف .. ودخلت حجرتها وهي تقول :
- ما بك يا ابنتي ؟؟ أفزعتني ..
استدارت غادة وارتمت في أحضان أمها .. وأفرغت كل الشحنات المتراكمة على كتف هذه الوالدة الطيبة .. التي ما زادت على قولها وهي تربت على ظهر ابنتها :
- اهدئي يا ابنتي .. كل ما فوق التراب تراب ..
- أمي ..
- نعم يا حبيبتي ..
ابتعدت غادة عن أمها خطوات قليلة ثم قالت دون أن تنظر إليها :
- لقد انفصلت عن عادل ..
حملقت أمها فيها بذهول .. وألجمتها المفاجأة فبقيت صامتة لحظات وقد اتسعت عيناها إلى أقصى حد ..
- ماذا تقولين ؟؟ ل .. لكن .. لماذا ؟؟
- ....................
- لا حول ولا قوة إلا بالله .. كلما ظننت بأنني قد اطمأننت عليك وعلى مستقبلك تعودي فتفجعينني وترجعي الهم إلي ..
- ظننتك ستواسيني ..
- كيف أواسيك وأنا لا أعرف السبب .. أووووه يا ابنتي .. لابد أنك محسودة ..
لم تكن غادة ترغب بالمناقشة .. فكررت مستسلمة :
- أجل .. أظن ذلك ..
أمالت الأم رأسها بأسى وهي تقول :
- كيف أستطيع مساعدتك ؟؟
- لا تفعلي شيئا يا أمي .. ثقي بأن غادة ستعود إلى نضارتها في غضون أيام .. وسوف تطمئنين حينها علي ولن تسعك الدنيا من السعادة ..
نظرت الأم إليها بشك وقالت :
- ولماذا أنت واثقة ؟؟
ارتبكت غادة فقالت بسرعة :
- أشعر بذلك ..
تنهدت الأم ثم استدارت وهي تضرب كفا بكف وتحوقل وتنعي حظها .. ثم خرجت وكلماتها ما زالت ترن في أذن غادة وهي تقول :
- ما هذا الهم ؟؟ الولد تفصلني عنه آلاف الكيلومترات .. يعيش في غربة ويرفض الزواج .. والبنت الكبرى في غيبوبة ولا أحد يعلم مصيرها إلا الله .. أما الصغرى فحزينة دائما وكلما خطبت انفصلت عن خطيبها .. الجميع يذبل أمامي وأنا لا أملك شيئا .. رحمتك يا رب .. اللهم لا اعتراض .. اللهم لا اعتراض ..

احتضنت غادة وسادتها وهي تشيع أمها بنظراتها المتأسفة على هذه الانسانة البائسة الضعيفة .. كم يؤلمها أن تكون سببا في شقاء من تفانت في تدليلها وخدمتها ..
وأمام هذه الخواطر عاهدت نفسها أن تسعد أمها بأسرع وقت ممكن .. والى الأبد ..

دارت الأفكار بها حتى توقفت عند عادل مجددا .. فاسودت الدنيا أمامها ثانية .. لقد انتهى كل شيء .. أليس هذا ما سعت إليه بنفسها ؟؟ لكن أنى للقلب أن يعي منطق العقل .. انه يسير خلف عواطفه فقط ..
عواطف ؟؟ أي عواطف ؟؟ هل تكن شيئا لعادل ؟؟
أمسكت رأسها بتذمر وهي تقول بصوت مرتفع :
- أووووووووووووووووووووووه ... يكفي .. يكفي ..
ثم فتحت عينيها والتقطت جوالها .. وراحت تتحسسه بحب وهي تقول : ليس في قلبي سوى رجل واحد .. ولن يسعدني سواه ... ربيع .. الآن يمكنني أن ألقاك .. بكل حرية ..
عجلت بطلب رقمه .. لكن ما إن سمعت صوت الرنين حتى انقطع الاتصال .. وأعطاها جوالها نغمة الانشغال ..
عاودت الاتصال .. فوجدت هاتفه مغلق .. ماذا حدث ؟؟ هل انتهى الشحن ؟؟
هزت كتفيها وقالت : ربما ..

ارتمت على فراشها بإعياء .. فإذا بطيف عادل يهاجمها بشراسة .. نهضت فزعة .. وأحضرت ورقة وقلما .. وقد قررت أن تكتب له رسالة .. عل ذلك يخفف عنها .. ويكون لها عذرا عنده .. من يدري ؟؟
لكن ما إن خطت الاستفتاح حتى رن جوالها .. فقفزت إليه وخفق قلبها حين رأت رقم ربيع ..
- مرحبا ..
- أهلا ..
- هل اتصلت ؟؟
- أجل .. لكن ..
- أعرف .. أعرف .. لقد كنت مشغولا لذلك أغلقته أنا آسف ..
- ربيع ..
- ما أجمل الاسم من فمك ..
- ربيع لسوف يتحقق أملك باللقاء ..
صرخ ربيع بفرح :
- حقا ؟؟
ابتسمت غادة بدلال وقالت :
- أجل .. ألم أعدك بذلك ؟؟
- متى وأين ؟؟ اليوم ؟؟ في أي ساعة ؟؟
- ههههههههههه .. تمهل .. أنا لم أقل اليوم ..
- آآآه .. لقد أتعبتني يا غادة .. ولم أعد أطيق الانتظار لحظة واحدة ..
- حسنا يا عزيزي .. لك أن تختار تفاصيل اللقاء كما تشاء ..
- عجبا ؟؟
- ماذا ؟؟
- ثمة شيء قد تغير صحيح ؟؟
- أنت ذكي دائما .. لكنني لن أخبرك حتى نلتقي ..
- لنلتقي اليوم إذن .. في ذات المكان .. ما رأيك ؟؟
- أوووه .. ذلك لن ينفع فيجب أن أزور رهف اليوم ..
- وما أدراها عنك .. إنها نائمة ولن تعرف من زارها ومن لم يزرها ..
- ربيع كيف تقول هذا ؟؟
- حسنا حسنا .. لنلتقي غدا ..
- موافقة ..
- هه .. لحظة لحظة .. أجل سآتي الآن ..
- ماذا تقول ؟؟
- كنت أكلم صديقي .. يجب أن أذهب الآن .. سأكلمك ثانية حينما أتفرغ .. إلى اللقاء ..
- إلى اللقاء ..

أغلقت السماعة .. ونظرت أمامها .. لتجد الورقة مشرعة تدعوها لكتابة الرسالة .. فما لبثت أن تساقطت دمعاتها .. وهي تمسك بالقلم ..


هـل تـكـتـبـهـا ؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ


وداعا .. أراكم في الأسبوع القادم .. باذن الله ..

دونا
28-04-2003, 19:15
الجزء العشرون (طعنة)

ارتدت غادة أجمل ثيابها، و وضعت بعضاً من مساحيق التجميل على وجهها، و بالطبع لم تنسى أن تهذب شعرها على نحو رائع، لقد بدت جميلة للغاية و كأنها نجمة سقطت من السماء.
ألقت غادة نظرة فاحصة على مظهرها في المرآة، و همست لنفسها قائلة:ياه يا غادة..كم أنت فاتنة و جميلة..أخيراً ستبتسم لك الحياة..ستحققين كل أحلامك..ستودعين الأحزان إلى الأبد..نعم إلى الأبــد..
اتسعت ابتسامة غادة مع حروفها الأخيرة بينما سرح فكرها في ثوب الزفاف الأبيض و القفص الذهبي...و ربيع فارس أحلامها الأزلي و الأبدي..
أطلقت غادة ضحكة جذلة و هي تسأل نفسها:أ سيفرح ربيع بالخبر؟..نعم لا بد أنه سيكون في قمة السرور..أخيراً يا غادة..
دارت غادة حول نفسها في سعادة جامحة، و هي تطلق ضحكات قصيرة، و..
<غادة..ماذا دهاك؟... هل أنت بخير يا ابنتي؟!>
توقفت غادة بغتة و التفتت إلى والدتها و قد احمرت و جنتاها خجلاً، و أجابت بصوت متلعثم:لا شيء يا أمي..أ...أنا بخير..
اقتربت والدتها و قد بدا عليها القلق و سألت باستنكار:غادة..هل أنت بخير حقاً؟!..من أنا إذاً..؟
نظرت إليها غادة في ذهول و أجابت بسرعة:أمي أنا بخير حقاً..أ ظننتي فقدت عقلي؟!..كل ما في الأمر أنني أشعر بالسعادة اليوم..
تنهدت الأم الحنون و عقبت:الحمد لله..ظننت أن طلاقك للمرة الثانية قد أصابك بـــ...الحمد لله..الحمد لله..
ابتسمت غادة و هي تطمأن أمها قائلة:لا تقلقي علي يا أمي فابنتك قوية..
غمغمت الأم قائلة في أسى:لا توجد امرأة قوية يا ابنتي و إن حاولت أن يظهر عليها ذلك..
اتسعت ابتسامة غادة و هي تقترب نحو والدتها..و من ثم قبلت كفيها و هي تقول:كلا يا أمي..المرأة قوية بجمالها..بذكائها..و بكيدها..
رمقتها والدتها بنظرة مليئة بالحنان و هي تعقب قائلة:أتظنين؟
أومأت غادة برأسها إيجاباً و هي تقول:بالتأكيد يا والدتي..انظري إلي فأنا خير مثال على هذا..
تنهدت الأم في أسى و هي تقول:ما فائدة القوة إن لم تجلب لصاحبها السعادة..عادل كان..
قاطعتها غادة في حدة:عادل...عادل..إلى متى يا أمي؟..متى ستفهمينني؟..عادل ماضي و انقضى..ما عاد له أي وجود في قاموس حياتي..و لا في طياتي مشاعري..
رمقتها الأم بنظرات غمرها الشك..لكنها آثرت أن تغادر غرفة غادة في هدوء و صمت، و أغلقت باب حجرة غادة خلفها..
أطلقت غادة زفرة حارة و هي تردد: ليتك تعلمين يا أمي؟..أنا أضعف كثيراً مم أبدو..لكنني أردت أن تطمأني علي..لعلك تنسين انفصالي عن عادل..ترى ماذا ستكون ردة فعلك لو علمت أنني أنا من طلب الانفصال..؟
حركت غادة رأسها بقوة و هي تتمتم:يا إلهي..لماذا يصر هذا الاسم على تحطيم البسمة على شفتي..عادل..كلا لن أسمح لأحد ما أن يسلبني حبي..لن أتنازل عن أحلامي و حياتي لمجرد ماضي..
انطلقت غادة إلى درج في خزانتها، و فتحت أحد أدراجه، و من ثم أخرجت صندوقاً عتيقاً، نفخت فيه فانجلى عنه الغبار و فتحته في حماس، تلمست محتوياته في بطء و قد ارتسمت على وجهها علامة الظفر، و بسرعة وضعته في حقيبتها و ارتدت عباءتها الضيقة و رمت غطاء خفيف على وجهها، و مضت مسرعة..
ركبت غادة السيارة و أمرت سائقها بأن يتوجه نحو أحد المراكز التجارية، و ما أن وصلت حتى صرفت سائقها، تماماً كما في المرة السابقة، و ظلت تنتظر دقائق، و ما أن لاحت لها سيارة ربيع من بعيد حتى اتسعت ابتسامتها و هي تغمغم:أخيراً..
وقفت سيارة ربيع أمامها، و فتح زجاج نافذتها ببطء ليطل منه ربيع و قد زين ثغره بابتسامة جذابة قائلاً:تفضلي يا أميرتي..
دارت غادة حول السيارة و من ثم دلفت داخلها، و ما أن ألقت بجسدها فوق المقعد المجاور لمقعد ربيع حتى هتف هذا الأخير قائلاً و قد أدار محرك سيارته:كيف حالك يا أميرتي..؟
ابتسمت غادة و هي تقول:أميرتك لم تكن أفضل حالاً من اليوم..
انطلق ربيع بسيارته و هي يعقب:حقاً؟...كم أنا سعيد بسماع هذا يا أميرتي..
ترددت كلمته الخيرة في ذهنها...أميرتي..و رجعت بها الذكريات نحو الوراء..نحو عادل..لطالما نادها بأميرتي..أميرتي الفاتنة...تنهدت غادة و هي تحرك رأسها بقوة لعلها تتخلص من تلك الذكريات التي باتت تزورها كثيراً، فألقى عليها ربيع نظرة جانبية و هو يعقب:ماذا بك يا غادة؟..
-......................
-أميرتي هل أنت على ما يرام؟
-ربيع هل لي أن اطلب طلباً؟
-طلباتك أوامر يا أميرتي؟
-كف عن هذا يا ربيع..
-ما الأمر؟
-فقط لا تناديني بأميرتي..لقبني بما شئت.إلا هذا اللقب..
-و لم..؟
ارتسم هذا السؤال في ذهنها..و همست لنفسها:نعم..لم ؟..لم لا أريد أن أسمع هذا الاسم..علي أن أواجه الواقع بقوة..علي أن أتجاهل ذكرى عادل و أقاومها..لن أسمح له بأن يتدخل في حياتي..و إن ذكرتني به الكلمات و المواقف..ما بيني و بين عادل انتهى..ترى هل تؤلمني ذكراه؟..
-غادة..هل تسمعينني؟
تنبهت غادة لصوت ربيع..فأطلقت ضحكة جذلة و هي تعقب قائلة:أتعلم..سمني بما شئت..حتى لو بأميرتي..
-ما بك اليوم يا سحر الشرق؟!
-أشعر بالسعادة..هذا كل شيء..
-أ ما عاد حبك لي يعذبك؟!..
-من العذاب ما هو ألذ من الشهد..
-أنت فعلاً مختلفة اليوم..يبدو أن غادتي قد عادت إلي..
-لطالما كانت بجوارك بروحها و إن سرح عقلها..
توقفت السيارة أمام ذلك المطعم الذي جمعهما قبل الفراق و في لقائهما الأول بعد العودة و الوفاق، دلفت غادة المطعم و هي تتأبط ذراع ربيع، مما جعله يردد قائلاً و هو يحمل تلك الابتسامة الجذابة:لابد أنك تخفين شيئاً ما..ماذا هناك يا درتي؟
حملت غادة ابتسامة واثقة على ثغرها و هي تجيبه:أنتم هكذا أيها الرجال..عديمو الصبر..
-ما دام الأمر كذلك هل ستعذبينني بالانتظار..؟
-سأموت حينها..ربيع أنت قلبي..فكيف لي أن أعذب قلبي؟
-إن كنت أنا قلبك..فأنت روحي ذاتها..و أروع شيء حدث في حياتي بأسرها..حبي الأول..و الأخير..
أطرقت غادة رأسها خجلاً و هي تشعر بسعادة غامرة.
استقر الاثنان في جناح خاص، و استترا بالحواجز الموجودة في المطعم، عندها أشاحت غادة ذلك الغطاء الخفيف الذي كان على وجهها فهتف ربيع قائلاً:يا إلهي..إنك تزدادين جمالاً في كل مرة..
توردت وجنتا غادة و هي تجيبه قائلاً: أنت أيضاً يا ربيع تزداد وسامة في كل مرة
-ربما لأن حبي لك يزداد مع كل ثانية ..
-لن يستطيع أحد ما مجاراتك في الحديث..
-لأن أحدهم لم يظفر بشابة رائعة مثلك..
مع حروفه الأخيرة لامست كفه يد غادة، فأغمضت تلك الأخيرة عينها و هي تهمس:قل أنه ليس حلماً..
-إنه ليس حلما يا غادة..افتحي عينيك يا أميرتي..فبنظراتك تنبض الحياة..
فتحت غادة عينيها و أدارت بصرها فيما حولها إلى أن وصلت إليه فتعلق بصرها به، عندها هتفت لنفسها:أنا لم أخطأ..ربيع يستحق التضحية..يستحق الحب..نعم هو من يقدرني..هو من يقدر غادة..
-أتوق شوقاً لسماع المفاجأة التي وعدتني بها يا غادتي..
تنبهت غادة بصوته فابتسمت، و أسرعت تفتح حقيبتها، و من ثم أخرجت تلك العلبة التي دستها فيها و فتحتها أمامه و هي تهمس في دلال:أتذكرها..؟
ابتسم ربيع و هو يخرج الخاتم من تلك العلبة و عقب قائلاً:بالطبع..إنه الخاتم الذي قدمته لك يوم أن خطبتك..
تراجعت للخلف في ثقة و هي تقول:يبدو أن التاريخ يعيد نفسه..
بدت علامات التوتر على ربيع و هو يسألها:ماذا تعنين..لم أفهم؟
-عجباً يا ربيع..و أنا التي أقول أنك أذكى الذين قابلتهم قاطبة..
-ربما..لكنني لم أستطع أن أخمن مقصدك..
-عزيزي ربيع..أخيراً سيجتمع الشمل..و سألقاك في النور..بلا خوف..و بلا شعور بالذنب..
-غادة..هلا أوضحت..؟
-سأسهل عليك..حبنا سينتهي نهاية سعيدة..
سألها ربيع بحذر: و ما هذه النهاية؟
-خمن؟
-الزواج؟!
-أحسنت..ما رأيك بهذه المفاجأة..؟
ارتفع صوت ربيع و هو يقول:أ تعنين أنك تركت عادل؟
-فعلت هذا من أجلك..و من أجل حبنا..
ضرب ربيع قضيته بسطح المنضدة و هو يهتف:لم لم تخبريني قبلاً..
-ربيع اهدأ الأمر لا يستحق هذا الانفعال..يفترض بك أن تكون مسرور جداً..
حاول ربيع أن يتمالك نفسه و هو يقول:جننت يا غادة..لابد أنك جننت دون شك..
-جننت؟..ماذا دهاك يا ربيع ؟..ألم تقل أنني حبك الأول و الأخير..
نظر إليها ربيع نظرة مطولة و من ثم أشاح بوجهه بعيداً عنها و هو يقول:عندما عدت طلبتك صديقة..لا زوجة..
-و ما الفرق دام السبب واحد..الحب..
تطلع إليها ربيع مجدداً و هو يقول:غادة لا أستطيع الزواج منك..
-لم..لم يا ربيع..؟
-.................
-أخبرني بالله عليك..
-...................
-أجبني إن كنت تحبني حقاً..
أشاح ربيع بوجهه و هو يجيبها قائلاً:غادة..أنا أب لطفلة لم تتجاوز من العمر بضعة أشهر..
أنا متزوج..متزوج يا غادة..
****************************** *****

تقبلن أرق تحية من :24:

تــيــمــة
03-05-2003, 20:38
الجزء الحادي والعشرين : القشة التي قصمت ظهر البعير ..

للحظة تجمدت ملامح غادة ونظراتها ... توقف الزمن بالنسبة لها .. بينما حرك ربيع أنامله بعشوائية في توتر شديد .. وتعلقت عيناه ببقعة في الطاولة التي أمامه .. تحاشيا لأي ردة فعل من قبل غادة ..

ثم قطعت الصمت ضحكة عصبية من قبل غادة وهي تلوح بيدها وتقول :
- لا شك أنها مزحة سمجة ..
قطب ربيع حاجبيه في ألم .. وقال :
- يؤسفني أن أضعك في مثل هذا الموقف .. صدقيني يا غادة أنا لا أمزح .. هذه هي الحقيقة التي لطالما أخفيتها عنك .. آنا آسف ..
نظرت إليه في استنكار وقد تجمعت العبرات غزيرة في مقلتيها .. أخذ صدرها يعلو ويهبط بينما لم تبارح عيناها وجهه .. مما زاد من ارتباكه .. قالت بضعف :
- آسف ؟؟ على أي شيء تتأسف ؟؟ وبأي وجه حق تدفع بي إلى الهاوية ؟؟ آسف على تدمير حياتي ؟؟ آسف على استغلالي والتلاعب بي ؟؟ آسف على امتهاني وامتهان العلاقة المقدسة التي سعيت إليها رامية بكل شيء يقف في وجهها عرض الحائط ؟؟ خبرني عم تتأسف ؟؟ هل سبق أن رأيت القاتل يعتذر للمقتول ؟؟
- ولكنني كنت صريحا معك .. ولم أطلب منك الزو......
- كف عن المراوغة أيها الوقح .. أما زلت تبحث عن عذر ؟؟
نظر ربيع إليها باستعطاف وحاول أن يقترب منها وهو يقول :
- أرجوك يا غادة أن تفهميني .. ليس الأمر كما تتصورين .. لقد خلت أنني أحبها لكن عندما تزوجتها لم تفارقي مخيلتي للحظة .. أنا أتعذب معها .. ولكن ليس لي خيار .. إنها تملك ضدي الكثير ..
بكت غادة بحرقة وارتفع نشيجها وهي تغطي وجهها بكفيها .. ولم تستطع التفوه بكلمة لدقائق .. تمنت لو تصفعه .. تمنت لو تنهي حياته كما أنهى حياتها برعونته وحبه الأجوف .. تمتمت بصوت مهتز خافت :
- كيف سولت لك نفسك خداعي ؟؟
- صدقيني أنا أحبك .. لكنني لم أرد من علاقتنا سوى الصداقة البحتة ..
قاطعته صارخة وهي تتكئ على حافة المنضدة :
- هل تظن نفسك في أمريكا ؟؟ كيف تتصور أن بمقدورك إقامة علاقة مع فتاة مخطوبة ؟؟ كيف تستنكر علي سعيي لتتويج صداقتنا بالزواج ؟؟
- ............
تغشتها أمواج الحب المجنون ثانية فتوسلت :
- يحل لك يا ربيع الزواج بثانية ..
أطرق قائلا :
- لا أستطيع .. إن ذلك يعني تدمير أسرتين لا أسرة واحدة ..
أحست بنار تأكل قلبها .. لقد أذلت نفسها ثانية من أجله ولم يبالي .. أي دناءة هذه ؟؟ لماذا تتمسك به بكل هذه الحماقة ؟؟ وهل ترضى لنفسها أن تكون زوجة لشخص بهيمي التفكير ؟؟
نهضت بغتة فتشبث بها وهو يقول :
- امنحيني فرصة .. دعيني أحكي لك أي ضغط أقع تحته ..
طوحت بيده وهي تصرخ صرخة هادرة :
- لا أريد أن أسمع قصتك أيها النذل ... لقد انتهى كل شيء ...
استدارت بقوة راكضة إلى الخارج فناداها ربيع بلهفة :
- غادة انتظري .. غادة ..
ركض خلفها ... فوجدها تتصل بهاتفها على السائق خارج المطعم .. وجسمها كله يرتجف .. اقترب بخفة حتى كاد أن يلامسها .. وما إن أحست بأنفاسه حتى انتفضت بعنف فأجفل هو الآخر ثم عاود الاقتراب وهو يهمس :
- حبيبتي .. ليس عدلا .. ألن تستمعي إلى ؟؟
ضغطت على أسنانها بغيظ وتكلمت من بينها قائلة :
- انظروا من يتحدث عن العدل .. ابتعد من هنا .. قبل أن تثير الريبة ..
- غادة أ ...
صرخت صرخة خافتة محملة بالقسوة ونفاذ الصبر قائلة في حسم :
- ابتعد ...
تراجع ربيع عدة خطوات للخلف .. ثم شملها بنظرة حزينة ... أغلق عينيه بعدها وهمس :
- الوداع ...
أشاحت بوجهها ... وهي تكتم شهقة عنيفة .. ثم عاودت النظر .. فرأته يبتعد .. ويمضي .. بقوامه الرشيق .. ومشيته الرائعة التي لمحت فيها شيئا من الانكسار هذه المرة ..
يمضي وقد خلف وراءه كومة من بقايا إنسانة .. لم يبق لها من هذه الدنيا شيء سوى الألم والندم .. يمضي ببرود .. كممارس حاذق للتعذيب والتدمير ...
خطت خطوة للأمام .. التمست فيها قلبها الذي غادر مبقعا الأرض بدمائه المهدرة .. ثم ارتدت وقد اغرورقت عيناها بالدمع .. حين تذكرت أنها لن تجد قلبا .. بل مجرد أشلاء تلفظ أنفاسها الأخيرة ..
وحملتها السيارة إلى بيتها .. طريق مملوء بالجثث والمدافن .. محترق بالغش والخيانة .. مخضب بحمرة الدم وسواد المستقبل ..
دارت رأسها التي لم تعد تتحمل أكثر .. وشعرت بأنها بالكاد ترى ما أمامها .. لكنها تماسكت حتى احتوتها غرفتها .. وهناك سقطت .. قريبا من الباب ..
لم تدر كم بقيت .. لكنها حين استفاقت وجدت نفسها ما زالت وحيدة ... فعلمت أنه لم يدر عنها أحد ..
لمت قدميها إلى صدرها .. وقد أصيبت بحالة من الذهول وجف الدمع من عينيها تماما .. أجل .. يكفيك يا عيني .. فما عاد في جسدي قطرة تذرف ..

جالت ببصرها في الحجرة ... والتقت عيناها بعيني ذلك التمثال القابع فوق البيانو .. فسرت قشعريرة في كامل جسدها .. لكأنه يشمت بحالها .. تبا لهذا الحال ..
استغفرت ربها .. ثم نهضت تجاه التمثال الذي كان يمثل ولدا أشقر الشعر يمسك بحمامة تفرد جناحيها ويدفعها نحو السماء لتطير ..
همست لنفسها :
- أتذكرين من أهداك هذا التمثال يا غادة ؟؟ أتذكرين ماذا قال لك يومها ؟؟ .......
سرحت ببصرها وهي تمسك بالتمثال بكلتا يديها رغم صغره .. وتردد في أعماقها صوت ذو صدى عميق يقول :
- معا .. ننطلق إلى الحرية ... ونحلق بجناح أبيض لجنة ملونة ..
- ولن نعود من هناك أبدا .. صحيح ؟؟
- بكل تأكيد ..
تأوهت وهي تغمض عينيها .. تلمست طريقها إلى الشريط الذي يأخذها إلى تلك الجنة كلما سمعته .. فتحت جهاز .. فإذا بشريط آخر يقبع هناك .. سحبته وهي تتأمله باستغراب :
- عجيب .. لم يسبق لي أن رأيت هذا الشريط من قبل .. من وضعه هنا ؟؟
أعادته إلى مكانه .. وضغطت على زر التشغيل ..
دار بكرات الشريط قليلا بصمت .. ثم تعالى صوت هادئ .. لطالما اشتاقت غادة لسماعه ...

انه صوت رهف ..
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ


مرحبا :27:

كيف حال الجميع ؟؟
انتهت رحلتي أخيرا وعدت بشوق ..
لكنني لم أتوقع أن أستطيع المتابعة من أول يوم ..
عموما قد تجدون أن في الجزء اهتزازا .. اعذروني فبالكاد ألملم شعث نفسي .. ولا أريد أن أطيل عليكم حتى أعود الى حالتي الطبيعية ..

شكرا لك يا دونا على مجهوداتك وأجزائك المتحفة ..
ودمت لي ,,

دونا
06-05-2003, 21:30
الجزء الثاني و العشرين (حنين)
ألقت غادة نظرة متعجبة على تلك البكرات التي ما زالت تدور،و أسرعت تخرج الشريط من المسجل ،لتقلبه بين يديها بشيء من الشك.تساءلت في أعماقها :منذ متى يبيت هذا الشريط هنا..؟
تنهدت غادة بعمق حالما ظهرت صورة شقيقتها في مخيلتها..و همست لنفسها :يا ه يا رهف ..كم اشتقت إليك..و لصوتك..رؤيتي لتلك الأجهزة التي تحيط بك تخفيني..تقيدك..و تعذبني..إلى متى يا رهف؟..إنني أحترق ..و ببطء..ما هي إلا أيام و أستحيل إلى خيط دخان..أنا في أشد الحاجة إليك..يقتلني الحنين إلى أيامنا الغابرة..آه يا رهف..
ألقت غادة نظرة أخرى على الشريط،و من ثم وضعته حيث كان بعد أن أعادته من إلى بدايته...
جلست بجواره و كلها آذان صاغية،فدارت البكرات و تعالى ذلك الصوت الهادئ ناشراً في أنحاء الغرفة مزيجاً من الحنين..
الشوق..
الألم..
(( السلام عليك و رحمة الله و بركاته..عزيزتي غادة..في البداية لا أخفيك أنني كنت قد تراجعت أكثر من مرة عن تسجيل هذا الشريط..ربما لأنني كنت قلقة من ردة فعلك..و ربما لأنني خشيت أن أفقدك..رغم أنني أشعر بذلك الآن..فأنت بعيدة عني..بيين و بينك مسافة بلا حدود..بلا نهاية..اقترب منك خطوة..فتتراجعين عني خطوات..رغم أن دماءنا واحدة..و أصولنا واحدة..تربينا معاً..و كبرنا معاً..ما الذي حدث؟..ماذا أصابنا؟..هل غيرنا الزمان كما تغير؟..لست أدري..لا أنكر أنني قد أسأت إليك يوماً..ولكن صدقيني كان ذلك رغماً عني..أخشى أن يأتي يوم ننسى فيه أننا أختان..
صديقتان...
أتذكرين يا غادة..أتذكرين طفولتنا؟..فتلك الأيام لا تنسى..حينها كنا نفكر بقلوبنا لا بعقولنا....إذا غضبنا سرعان ما نغفر..و إذا بكينا سرعان ما نضحك..
رغم أنك كنت تصغرينني بسنة إلا أنك كنت معي ..فقد كتبنا حروفنا الأولى معاً..و تعلمنا الصلاة لله معاًاً..أذكر يومها كم كنت سعيدة بذلك الشرشف الأرجواني الذي أهدته لك جدتنا...رغم أنه كان كبيراً جداً عليك حينها..و أذكر أيضاً أن أمي كانت تضعه لك في درج في خزانتك..لكنك كنت في كل ليلة تخرجينه..و تحتضنينه..تحدثيه..و تلاعبينه..و كأنه دمية..لقد وعدته أن لا تتخلي عنه أبداً..لكنك خلفت وعدك..و أصبحت قطعة القماش الأرجوانية وحيدة..تذرف الدموع في ركن من أركان غرفتك..لم يا غادة؟..لم تتحول وعودنا إلى سراب ؟؟...لم تتحول أحلامنا إلى أوهام...؟
أذكر مرة أنك أخبرتني بخوفك من الظلام...فلماذا رضيت بحياة لا تشع فيها نور الطمأنينة؟..و لا تلمع بين حنايا السعادة..؟
هل أنت راضية عن وضعك أختي..لا تقولي لي مقولتك المعهودة..كل فتاة تستطيع أن تصبح عصرية..لا بتخليها عن ما ربيت عليه..بل بتحقيقها طموحاتها..بصمودها في وجه العاصفة..بثباتها على دينها..
لقد اشتقت لغادة..تلك الفتاة الصغيرة البريئة..اشتقت لتلك الفتاة التي كانت تتفاخر علي بسرعة حفظها لسور من القرآن..اشتقت إلى تلك الفتاة التي كانت تضع مصروفها كله في صندوق التبرعات بالمدرسة..اشتقت إلى أختي..
أنا واثقة أن بعض تلك الأعمال ما زالت في أعماقك..تحت طيات أفكارك..كل ما أنت بحاجة إليه هو إيقاظها..استعادتها..
أرجوك يا غادة...أنا لا أطالبك بأكثر من المحاولة..فأنا أشعر بك..نعم أشعر بذلك الأنين الذي يتعالى داخلك..ربما هو أنين الماضي..و ربما كان أنين الحاضر..
لماذا اختلفنا؟..لماذا تفرقنا؟..هل هي دروب الحياة؟..أم تعدد الأهداف؟..أم سوء الصحاب..؟
ليس من العيب أن نخطئ..لكن من المؤسف أن نستمر في الخطأ..أسرعي أختي فباب التوبة مفتوحة..أسرعي قبل أن تشرق الشمس من مغربها..
ما عسانا أن نكسب في هذه الحياة.. حب..زواج.. عمل.. أطفال.. أحفاد..ثم ماذا؟..
مصيرنا أن نتدثر بالتراب...أن نسأل ..أن نحاسب..ثم نتجه نحو دار الخلود..إما جنة..و إما نار..عندها لن تنفع دموع..و لن تنفع أعذار..
ما حياتنا إلا اختبار..إما رسوب..أو نجاح..
قد تكون طريق النجاح شاقة في البداية..لكن ثمارها تستحق بذل الجهد..تستحق الصبر..تستحق المثابرة..
غادة إنني أمد بيدي إليك..أمسكها و لنبحر معاً على سفينة السلام..أرجوك يا غادة أمسكها..تعلقي بها..فصورتك المتعبة..الضائعة..الباهتة.. تعذبني..كيف لا و أنت قطعة مني..
أنت أختي..و حبيبتي..
و صديقتي..
سأدعو لك..
و سأنتظرك يا أخيتي..
و كلي أمل أنك ستأتين..
ستعودين..
أسرعي يا غادة..فالوقت يمضي سريعاً...
.............................. ..........
.............................. ............
.............................. ..........))
انتهى الشريط..لكن غادة لم تبرح مكانها..و تساقطت دموع محترقة..تبحث في وجنيها عن قبور تدفن فيها...و بدأ صدرها يعلو و يهبط...و من بين شفتيها تفجرت الكلمات:أنا آتية يا رهف..نعم..لن يطول انتظارك يا عزيزتي..و لن يخيب أملك ..أنا قادمة..يا أختي...
أسرعت غادة تلبس خمارها..و قلبها يرتجف بين ضلوعها في قسوة..لم؟..ليست تدري...و ما هي إلا ثوان حتى كانت تقبع في السيارة..أفكار شتى دارت في مخيلتها..ذكريا ت طفولة..و كلام عميق المعنى..و مشاعر متأججة..حائرة بين الصواب..و الخطأ..
أخيراً وقفت السيارة أمام باب المستشفى ..و هرعت غادة تغادر السيارة..في شوق..و في حنين..و مضت تجوب دهاليز المستشفى..حتى وصلت إلى غرفة أختها..توقفت للحظات..و كأنها تسترجع كلمات رهف..
سأنتظرك يا أخيتي..
و كلي أمل أنك ستأتين..
عندها عقبت غادة:لقد أتيت..أنا هنا يا رهف..
و مع حروف كلماتها الأخيرة فتحت غادة باب الغرفة بقوة و هي تصرخ:رهف لقد أتيت..
لكن صوتاً ناعماً -كانت تجلس صاحبته بجوار سرير رهف -أجابها:لم تخبريني بمرض رهف يا غادة؟..
اقتربت غادة من صاحبة الصوت و هي تتمتم:سامية..كيف عرفت؟
ألقت سامية نظرة حزينة على رهف و هي تجيب:والدتك أخبرتني..كنت أتمنى أن أكون بجوارها منذ دخولها المشفى..
جلست غادة على طرف سرير رهف و هي تجيب:سامية..هوني عليك..
ابتسمت سامية ابتسامة صفراء و هي تقول:لا تقلقي علي يا غادة..أنا بخير..حمداً لله على كل حال..
تنهدت غادة بعمق و هي تعقب:لماذا تتهافت علينا المصائب نحن بالذات؟
-غادة الله يصيب الناس بأنواع البلاء..لعلهم يصبروا و يحتسبوا فيكون لهم الأجر و الثواب..
-انظري إليها يا سامية..إنها أقرب للشبح من الإنسان..ليتها تفيق؟
-ستفيق بإذن الله..أدعي لها يا غادة..إنها بحاجة لدعواتك..
-لا أظن..أشعر بأنها قد ماتت ..كل ما بقي منها جسد يتنفس..جسد بلا صوت..بلا إحساس..لن تعود..صدقيني..
-استغفري الله يا غادة..و لا تيأسي من رحمة الله..استغفري الله يا غادة..فلا يعلم الغيب إلا الله..
-استغفر الله..استغفر الله..
-هل تفتقدينها؟
-أكثر من ما يمكنك تصوره..أنا..
قاطعها صوت هاتفها المحمول..فاستأذنت سامية ..و غادرت غرفة أختها و هي ترمق تلك الأرقام الغريبة التي ارتسمت على شاشة جهازها..
و همست من أعماقها:أتراه ربيع؟..ربما كان هو؟..هل أرد؟
ما زال الهاتف يرن بلا توقف..أخيراً استجمعت غادة شجاعتها و أجابت و هي تقول:ألو..
أتاها صوت يقول:غادة..أين انتم..أتصل عليكم منذ مدة لكن لا من مجيب..هل حدث شيء..؟
تلعثمت غادة و هي تقول: رائف..أ هذا أنت؟
****************************** *****

سفة لتأخري..
و اغفرن لجزئي..
فقد كتبته على عجل..
في أمان الله..

تــيــمــة
10-05-2003, 23:45
عادت غادة إلى غرفة رهف وقد بدت عليها امارات الاكتئاب .. وجلست بصمت .. بينما تطلعت إليها سامية قائلة :
- هل أنت على ما يرام ؟؟ دخلت بغير الوجه الذي خرجت به ..
تمتمت غادة بخفوت وعينها ملتصقة بالأرض :
- لا .. لا شيء ..
- آمل أن تعتبريني كأختك ..
رفعت غادة إلى سامية عينيها فأشاحت الثانية بنظراتها في خفر ..

تنهدت غادة وهي تتأمل سامية بعينين متلألئتين .. شتان بينها وبين هذه الفتاة .. شتان بين وقاحة غادة وجرأتها وبين حياء سامية ورقتها .. وتساءلت في داخلها .. هل تفتقد شيئا من معالم الأنوثة بسبب ذلك ؟؟ لقد اعترف الجميع بأنها تضج بالحياة وتأسر القلوب بجمالها .. لكن هل أخلاقها كانت ستستميل الرجال لو لم توهب هذه الفتنة ؟؟

اعتراها شيء من الخجل وعدم الرضى عن نفسها .. كيف أغفلت ذلك ؟؟ أم أن عصرية المرأة توجب عليها أن تخسر نعومتها الأخلاقية ؟؟

عادت تتساءل : هل توجد في زماننا هذا فتيات تنطبق عليهن صفة العذراء في خدرها ؟؟
واتجهت أصابع الإجابة فورا إلى تلك الجالسة أمامها .. لكن كيف استطاعت أن تحافظ على هذه الصفة وهي تعيش في نفس المجتمع الذي تعيش فيه الأخريات ؟؟

شعرت بأن سامية تكسوها هالة من الغموض .. وتمنت لو تستطيع أن تجتاز هذه الهالة دون عناء لتجوب في داخل هذه الشخصية التي كانت رهف تحب التحدث عنها طوال الوقت وتصفها وكأنها آتية من عالم آخر .. حقا لقد كانت رهف مبهورة بها .. ايـــــــــــــــــــه .. يا رهف لقد أحسنت اختيار الصديقة المخلصة .. ليتك تعودي إلى وعيك لتريها كيف تجلس جوارك بصبر ..

وجدت نفسها تقول فجأة :
- سامية هل أستطيع أن أستشيرك في أمر ؟؟
أجابت سامية بابتسامة واسعة :
- بكل تأكيد ..
تلكأت غادة قليلا ثم قالت :
- اتصل أخي قبل قليل .. ولعلك تعرفين أنه مسافر لإكمال دراسته .. لكنه لا يدري شيئا عن رهف .. وقد .............
- أسمعك ..
- لقد كان يتساءل عن سبب غيابنا عن المنزل .. لكنني لم أخبره بالحقيقة .. ما رأيك ؟؟
- بماذا ؟؟
- هل أخبره بشأن رهف أم لا ؟؟
- بل لا بد أن يعرف ..
شحب وجه غادة .. فقد كانت تتمنى أن تؤيدها سامية في إخفاء الأمر عن رائف .. هتفت :
- لكن ظروفه لن تسمح له بالمجيء .. كل ما هنالك أننا سنسبب له القلق وكفى ..
- حسنا .. هل وضعت نفسك مكانه ؟؟
- ماذا تقصدين ؟؟
نظرت سامية إلى رهف بحزن وقالت :
- جميعنا لا نعلم ما هو مصير رهف .. ولو حدث لها شيء لا سمح الله فان أخاك لن يغفر لك عدم إخباره ..
نظرت غادة إليها نظرة تجمع ما بين الفزع والغضب قائلة :
- ستبقى رهف بخير .. وستعود لنا أفضل مما سبق .. أتسمعين ؟؟
احتفظت سامية بهدوئها وقالت دون أن تنظر إلى غادة :
- يجب أن تنظري إلى الأمر بواقعية أكبر .. هل تظنين أن رهف لا تعني لي شيئا حتى أتوقع لها الشر ؟؟ إن رهف أعز صديقاتي على الإطلاق وقد كانت بمثابة السلوان لي في جميع الأوقات .. صدقيني لم نخف عن بعضنا شيئا يوما ما .. حتى أدق الأسرار ..

لفتت العبارة الأخيرة نظر غادة فأخذت تحدق في سامية وهي تبحث عن الكلمات ثم قالت ببطء :
- وهل .. هل حدثتك رهف بخصوصي ؟؟
بانت على وجه سامية ملامح الأسى .. وفركت يديها وهي تتهرب من الإجابة ..
لكن غادة كعادتها حاصرتها بنظراتها وإلحاحها قائلة :
- أتخفين عني شيئا يا سامية ؟؟ أرجوك أخبريني ماذا قالت رهف عني .. فمنذ سقطت في غيبوبتها والألم يعتصر قلبي لشعوري بأنني السبب في ذلك .. سامية .. أنا .... رهف تركت لي ما يشبه الوصية .. لكنني ... أنا أريد أن أعرف المزيد .. سامية .... لقد فاض بي ..

أجهشت غادة بالبكاء وقد خنقتها مشاعرها تجاه أختها .. فاقتربت سامية منها وأمسكت يدها مواسية ثم قالت :
- هوني عليك .. ليس الأمر كما تتصورين .. إن قلب رهف رغم مرضه كبير .. كبير جدا .. أكبر مما تصورين .. اهدئي .............. وسأقص عليك كــــــل شيء ..

دونا
17-05-2003, 00:58
الجزء الرابع و العشرون(ضياع)
(لقد كنت بالنسبة لها أكثر من أخت..لقد أحبتك لدرجة أنك أصبحت شغلها الشاغل..كل ما في الأمر أنها كانت قلقة عليك كثيراً..لطالما حدثتني عن بعض تصرفاتك و هي تذرف دموعها...كنت أرى خوفها عليك يطل من كل ملامحها..حتى صوتها كان يعلوه القلق..أذكر أنها أخبرتني في مرة أنك تحملين شيئاً ما في أعماق قلبك..شيء ما أشبه بالبرعم الذي يبيت تحت طبقات شتى من الجليد..كانت تريد أن تحيل ذلك الجليد إلى ماء حتى تروي ذلك البرعم فيزهو و يكبر..)
أشاحت غادة ببصرها بعيداً و هي تحاول إخفاء دموع تساقطت على وجنتيها..فربتت سامية على كتفها في حنان و هي تعقب :غادة ..قريباً سيأتي الربيع..و ستذوب الثلوج..
التفتت غادة نحو سامية و حملت كفها بين يديها و هي تحاول رسم ابتسامة على وجهها الشاحب..ثم تطلعت إلى وجهه سامية مباشرة و هي تهمس: لقد ذابت يا سامية...لكنها استحالت إلى فيضان دمر كل شيء..و لم يعد لذلك البرعم وجود..
-غادة..أشعر أن بداخلك ألف برعم و برعم...إن غاب واحد فسيزهر أحدها..
-صدقيني كلهم ضاعوا..
-كلا يا غادة ..أنا أشعر بأحدها الآن..
- أين هو يا سامية؟..أين هو؟
-قلبك يا غادة..
-قلبي؟
-أجل قلبك ..إنه يخفق..
-إ نه يخفق منذ أن ولدت..فما الجديد..؟
-إنه يخفق بقوة يا غادة..و كأنه يجدد دماءه..ينظر في حاضره و ماضيه..إنه يجدد حياته..إنه يولد ..
-أنت تحاولين مساعدتي فحسب..
-هذا برعم آخر..
-ماذا تعنين؟
-لقد بدأت تشعرين بأنك في حاجة إلى المساعدة..إلى يد تنتشلك من بحر العواصف الذي تعيشين فيه إلى بر الأمان..
-سامية..انظري إلى الأمور بمنظار من الواقعية..أنا لا أطيق الابتعاد عن نمط حياة اعتدته و ألفته..لا أستطيع أن أغير صديقاتي..و حياتي..و عمري..
-كيف تقولين ذلك و أنت لم تجربي..؟
-أنا لا أحتاج إلى تجربة فاشلة..
-في القديم كنا نظن أن الإنسان لا يستطيع الطيران..و ها هو اليوم يطير..
-لأن عالمه قد تغير ..قد تطور...
-بل لأنه سعى إلى تطوير عالمه و تحسينه..غادة الطريق شاقة لكنها ممتعة و لها ثمار الشهد..
-أرجوك يا سامية..لا أريد أن أتحدث في هذا الموضوع..
-و لكن..
قاطعتها غادة في صرامة :هذا يكفي..
-أنا آسفة إن كنت قد أزعجتك..
-أنا من يجب عليها أن تعتذر..سامية أنا آسفة..لست أدري ما الذي حل بي مؤخراً..ربما هي الظروف التي أمر بها..
-لا عليك..
-سامية هل لي أن أطلب منك طلباً؟
-بالطبع يا عزيزتي..ماذا تريدين؟
-هل لي أن أكلمك من وقت لآخر؟
-بالطبع..هذا يسعدني جداً...
-لا أعرف كيف أشكرك يا سامية..
-لا تقولي هذا يا غادة..أ تعلمين أنت تشبهين رهف كثيراً..
-حقاً؟
-نعم..طريقة حديثك...ابتسامتك...و عنادك..
التفتت غادة نحو رهف و تلمست يدها في حنان و هي تهمس:أ رأيت؟..لست أنا الوحيدة التي تقول بأنك عنيدة..رهف أ تراك تسمعينني؟..أنا هنا بجوارك..رهف كم أحبك يا أختي..ربما اكتشفت هذا متأخرة جداً ...أنا نادمة على الأيام التي ضيعتها في فهم معنى الأخوة..استيقظي يا رهف...أنا في شوق غامر لحضنك ..بعيداً عن كل تلك الأسلاك التي تحيط بك..بعيداً عن هذه الغرفة الكئيبة..عن هذا المنى البشع..أريد أن احتضنك هناك..في منزلنا..في المكان الذي ربينا فيه..جمعنا فيه أحلى ذكرياتنا..لعبنا..ضحكنا..تخاصمن ا..تعاركنا..و بكينا...و عفونا..متى تعودين إلى منزلنا؟..اشتقت لدفئك..و عبقك..و روحك...
عافاك الله يا أختي..عافك الله يا رهف..
**********************
عادت غادة إلى منزلها...و مضت تصعد الدرج نحو غرفتها.و ما أن وصلتها حتى ألقت بجسدها على سريرها لتفرغ في وسادتها شحنات من الصراع الذي احتدم داخلها حتى لم يبقى لها من الدموع ما تذرفه...شعور بالضياع كاد يخنقها..يقيدها..لقد بدأت تفقد كل طعم للحياة..صور شتى حامت حولها..ربيع ..عادل ..رهف..
اتجهت نحو البيانو..تلمست سطحه الخشبي بأناملها..و جذبت مقعدها لتجلس أمامه..و لم تشعر بنفسها إلا و هي تعزف..و تعزف..بكل كيانها...و بسرعة لا مثيل لها..و كأنها تحاول الهروب من تلك الضوضاء التي تخترق مسمعها..أصوات شتى قادمة من الماضي و كأنها خناجر طاعنة اتخذت من قلبها ملاذا و ملجأ..
((أنا قلقة عليك يا غادة.

أرجو أن لا تنسي أنك مريضة بالقلب..و أن قلبك بحاجة للعناية أكثر مني..هلا تركتني..أريد أن أنام..

سأحبك مهما فعلت..

غادتي..هل جربت قراءة القران في أعماق الليل..أعلم أنك تملكين صوتاً عذباً..فهلا رتلت به القرآن..غادة جربي قراءته و لو مرة..ستشعرين بشيء عجيب ينساب في أعماقك

غادة... كنت أراك تتغيرين..تبتعدين..كنت أشعر بك تذبلين بين أناملي.. و لكن لم يخطر ببالي أن أفقدك نهائياً..أ ما عاد لي مكان في قلبك..؟

أنت لست غادة بالتأكيد..

أنت كاذبة...

لقد صدمتني..أطلقت علي رصاصة محكمة...دمرتني..حسبي الله و نعم الوكيل فيك..أعطيتك كل شيء..كل ما أملك..و في النهاية كان جزائي السم الذي زرعته بيدك في أحشائي..قطعت كل ما بيننا..و أحرقت كل جميل في علاقتنا...لقد انتهى كل شيء.

أنت طالق يا غادة..

أنا متزوج..متزوج يا غادة..

آسف ؟؟ على أي شيء تتأسف ؟؟ وبأي وجه حق تدفع بي إلى الهاوية ؟؟ آسف على تدمير حياتي ؟؟ آسف على استغلالي والتلاعب بي ؟؟ آسف على امتهاني وامتهان العلاقة المقدسة التي سعيت إليها رامية بكل شيء يقف في وجهها عرض الحائط ؟؟ خبرني عم تتأسف ؟؟ هل سبق أن رأيت القاتل يعتذر للمقتول ؟؟

أنت طالق يا غادة..

أنا متزوج..متزوج يا غادة..))
توقفت بغتة و أغلقت أذنيها بكفيها و هي تصرخ:يكفي..هذا يكفي..لم أعد أحتمل..
تعالت الضحكات من حولها..فصرخت و صرخت ..لم أعد احتمل..ماذا تريدون مني؟..لقد أخذتم كل شيء..دعوني..اتركوني و شأني...و تعالى صراخها أكثر فأكثر..و تعالت الضحكات بدورها..و ازدادت الضوضاء من حولها..فدارت حول نفسها ..و اهتزت بقوة كوردة وسط العاصفة..و أي عاصفة؟..ألوان شتى اختلطت أمامها..شاحبة..بشعة..و محطمة..رسمت بفرشاة الحزن..بالخيانة..و بالغدر..
توقفت غادة ..فإذا بها ترى نفسها أمام مرآتها..بصحبة و جوه كثيرة ..شامتة..ساخرة..فعادت تصرخ بشدة :اصمتوا..دعوني و شأني ..أتركوني..
لكن تلك الوجوه لم تتوقف..بل ارتفع صوتها و هي تقول:يا ل غبائك يا غادة..أنت نكرة...لا شيء..بلا هوية..و بلا بصمات..
فعادت تصرخ بدورها:كلا ..لن تسلبوني هويتي..يكفيكم ما أخذتموه مني..يكفي..ما عدت أقوى على الاحتمال..
و مع آخر حروفها ألقت بذلك التمثال الذي كان يقف فوق البيانو على مرآتها..فتحطم الزجاج..و تناثر هنا و هناك..لكن صوت الضحكات تزايد أكثر فأكثر..
عندها فقدت غادة سيطرتها على أعصابها..
كسرت كل شيء أمامها..
مزقت أوراقها الجامعية و ثيابها الثمينة..
أفرغت قطن وسادتها هنا و هناك..و استحالت غرفتها إلى فوضى عارمة..
و لم يتوقف ذلك الصوت..
و لم تكف هي عن الصراخ لوهلة..
فقد نفذت دموعها و لم يبقى لها سلاح سواه..
حتى انهارت تماماً..
لتسقط مغشياً عليها..
وسط مئات الضحكات الشامتة..
و الساخرة..
*****************************


اعتذر حقاً لتأخري عليكن..فلقد أصبت بوعكة صحية..
أضفن إلى ذلك زحمة الأختبارات..
و الزيارات الأسرية..
قراءة ممتعة بإذن الله..
أستودعكن الله..

تــيــمــة
20-05-2003, 13:13
فوجئت أم غادة برؤية ابنتها مغشيا عليها .. وأفزعتها أكثر الفوضى التي لحقت بغرفتها ..
لم تستطع أن تخمن ما حدث .. بل إنها لم تجد وقتا للتفكير .. فأسرعت بالاتصال على الطوارئ .. ثم حاولت أن تيقظ غادة ببضع قطرات من العطر ..
فتحت غادة عينيها بألم .. وكأنها لا ترغب في الاستيقاظ .. فشجعتها والدتها على النهوض والذهاب إلى غرفة رهف لأن غرفتها ليست صالحة حاليا لاستقبال الطبيب ..
فيما بعد قالت غادة بأنها لا تذكر أنها نهضت وسارت على قدميها كل هذه المسافة ..
جلست الأم بجانب ابنتها تبكي .. وهي تشعر بالعجز التام عن مساعدة هذه البنية الضعيفة .. دعت في قلبها أن يعود رائف ليشد من أزرها .. فالبيت من دون رجل بيت مائل ..

وصل الطبيب .. وفحص غادة جيدا .. ثم قال :
- يبدو أنها أصيبت بانهيار عصبي .. ضغطها منخفض جدا .. ألم تكوني معها ؟؟
- لا يا دكتور .. كنت في الخارج عندما حدث لها ذلك ..
- ألم تلاحظي شيئا غير عادي ؟؟
- بلى.. وجدت زجاج مرآتها محطما .. والفوضى تعم حجرتها ..
- هذا يؤكد أقوالي .. إن ذلك خطير يا سيدتي .. خصوصا إذا تكرر .. أرجو أن تسمحي لي بمتابعتها إن حدث ذلك مرة أخرى ..
-هذا لطف منك يا دكتور .. أعدك أن أوافيك بأخبارها إن استجد شيء لا سمح الله .. ولكن لماذا أصابتها هذه الحالة ؟؟
-أعتقد أنها تعاني من قلق وقلة في النوم .. أو أن لديها مشكلة تكتمها .. عليك ألا تسمحي لها أن تكثر من المهدئات والحبوب المنومة .. إلا بعد استشارة الطبيب .. تفضلي .. هذه ورقة العلاج .. والآن إلى اللقاء ..
-شكرا لك يا دكتور ..
جلست الأم تنتظر استيقاظ ابنتها وهي تفكر .. لم يعد لديها ما تفعله سوى الانتظار جوار الفراش .. كل يوم تستيقظ لتفطر على عجل ثم تتوجه إلى المشفى حيث رهف .. تسلم عليها وبعدها تتوجه إلى مسجد المستشفى ... لتصلي الضحى ثم تدعو لابنتها بالشفاء .. وتعود وقت الغداء لتجلس مع غادة قليلا ثم تخرج ثانية إلى المشفى ..
يالها من حياة .. حتى عندما تعود إلى البيت لتأخذ قسطا من الراحة تجد ابنتها الثانية في غيبوبة .. هل ستفقدهم جميعا كما فقدت أباهم ؟؟

بدأت غادة تتحرك ويتقلص جفناها .. إنها على وشك الاستيقاظ .. فتحت عينيها بإرهاق ونظرت إلى أمها ثم أسبلتهما ثانية .. فأمسكت الأم بيدها مشجعة وقالت :
-هل أنت بخير يا حبيبتي ؟؟ ماذا حدث لك ؟؟
-أممممممم
-ارتاحي ..
-أمي ..
اقتربت الأم منها وهي تقول :
-نعم يا صغيرتي ..
-.... ماذا حدث ؟؟
-أنا التي أسألك .. فقد وجدتك مغشيا عليك في حجرتك .. لماذا كسرت المرآة ؟؟
قطبت غادة حاجبيها وقالت :
-أنا ؟؟
وفجأة تذكرت كل شيء .. وزمت شفتيها ثم قالت :
-يبدو أنني أرهقت نفسي أكثر من اللازم ..
-غادة .. هل هذا بسبب عادل ؟؟
اجتاح الألم قلب غادة ثانية عند سماعها اسم عادل .. فلم تتمالك نفسها ووجدت دموعها تهمي ..
-غادة حبيبتي .. لا يعني ذلك أنك فشلت .. كثيرات هن اللاتي يفسخن خطوبتهن أكثر من مرة .. لكنهن يتزوجن فيما بعد ويسعدن في حياتهن ..
-ليس هذا ما يعذبني يا أمي .. أنا أبكي ندما .. لقد كنت حمقاء .. حمقاء جدا ..
-لا تؤنبي نفسك هكذا .. إن عادل لم يعرف قيمتك .. فلماذا تعذبين نفسك من أجله ..
-عادل لم يعرف قيمتي ؟؟؟ أرجوك لا تقولي هذا يا أمي .. أرجوك ألا تسيئي إليه .. أنت لم تعرفيه كما عرفته ..
-ولكنه رغم ذلك تركك يا ابنتي ..
-بل أنا التي تركته يا أمي ..
اتسعت عينا الوالدة وهي تقول بذهول :
-ماذا تقولين ؟؟
-أجل .. ألم أقل لك كنت حمقاء .. لكن .. لقد انتهى كل شيء .. أواااه يا أمي .. أنا أتعذب .. أتعذب كثيرا ..
أجهشت غادة بالبكاء .. فتقطع قلب والدتها عليها وأخذت تبكي معها .. بكت الاثنتان طويلا .. ثم راحت الأم تتحدث من بين دموعها قائلة :
-ليتني أعرف ما تخبئينه عني .. كلكم هكذا .. لم يصارحني أحد منكم بتفاصيل حياته .. تعيشون بغموض .. تتعذبون .. ولكنكم لا تشكون لي .. ألست أمكم ؟؟ أين أنت يا رائف ؟؟ تعال وانظر إلى أختيك كيف تذبلان .. أو عساك تكون مثليهما ؟؟ ما أثقل الحمل بدونك يا أبا رائف .. تركتني وحيدة أعيل ثلاثة أطفال .. ورحلت أنت .. رحلت بعيدا جدا .. رحلت إلى عالم آخر .. رحمك الله يا أبا رائف .. كنت خير عون لي في كل شيء .. والآن .. ما حيلتي وأنا بلا رجل ؟؟ حتى ابني تركني وذهب ..
ارتاعت غادة لكل هذا الزخم المك