عطاء
24-10-2003, 06:15
البحر في نفوس الشعراء والأدباء وأذواقهم شيءٌ آخر...
يرون فيه مالا يرى سواهم..يحادثهم..يُناجيهم..يكون هم ويكونونه..
وكم طُعمّت كتب الأدب بدررٍ متناثرة..جمعت من عجائب البحر وأعماق
الفكر المتذوق المسبحُ مولاه سبحانه...
أترككم أحبتي مع الرافعي يحدثكُم عن البحر..وإياكم أن تكون منكم قراءة الحرف
عابرة..بل اقصروا النفوس على التأمل ..لاشك أنكم ستظفرون بالكثير من الكنوز..
****************************** ****************************** ***********
إذا احتَدَمَ الصيفُ , جعلتَ أنتَ أيُّها البحرُ للزمنِ فصلاً جديداً يُسمى(( الربيعَ المائي))
وتنتقلُ إلى أيامكَ أرواحُ الحدائق, فتُنبتُ في الزمن بعضُ الساعاتِ الشهيّة كأنها الثمرُ
الحُلوُ النَاضجُ على شجره.
ويُوحي لونُكَ الأزرقُ إلى النفوس ماكان يُوحيه لونُ الربيع الأخضر, إلا أنّهُ أرقُّ وألطف.
ويرى الشعراء في ساحلكَ مثلَ مايرونَ في أرض الربيع , أنوثةً ظاهرة , غيرَ أنها تلدُ
المعاني َ لاالنبات.
في الربيع , يتحرك في الدم البشريّ سرّ هذه الأرض ؛ وعندَ (( الربيع المائي)) يتحرك
في الدم سرّ هذه السُّحُب.
وبالربيعين الأخضرِ والأزرق ينفتحُ بابان للعالم العجيب : عالم ِ الجمال الأرضيّ الذي
تدخله الروحُ الإنسانية كما يدخل ُ القلب المُحب في شعاع ابتسامةٍ ومعناها.
في ((الربيع المائي)) ,يجلسُ المرء ,وكأنّهُ جالسٌ في سحابة ٍ لافي الأرض.
ويشعرُ كأنّهُ لابسٌ ثياباً منَ الظلِّ لامنَ القماش؛ ويجدُ الهواء قد تنزَّه عن أن
يكون هواء التراب.
وتخِفُّ على نفسهِ الأشياء , كأنّ بعضَ المعاني الأرضية انتُزعتْ من المادّة ...
.... وهنا يُدركُ الحقيقة : أنّ السرور َ إن هو إلا تنبُّهُ معاني الطبيعة في القلب.
*************************
وللشمس ِ هنا معنى جديد ٌ ليس هناك في (( دنيا الرزق)).
تُشرقُ الشمسُ هنا على الجسم ؛ أمّا هناك فكأنما تطلُعُ وتغرُبُ على الأعمال
التي يعملُ الجسمُ فيها.
تطلعُ هناك على ديوان الموظف لا الموظف, وعلى حانوت التاجر لاالتاجر, وعلى
مصنَع العامل , ومدرسة التلميذ ,ودار المرأة.
تطلع الشمس هناك بالنور , ولكنّ الناسَ- واأسفاه - يكونون في ساعاتهم المظلمة..
الشمسُ هنا جديدة , تُثبتُ أنّ الجديدَ في الطبيعة هو الجديدُ في كيفية شعور النفس به.
****************************
والقمرُ زاهٍ زفَّافٌ من الحُسن؛ كأنّهُ اغتسلَ وخرجَ من البحر.
أو كأنهُ ليس قمراً, بل هو فجرٌ طلّعَ في أوائل الليل ؛ فحَصرتهُ السماء في مكانه
ليستمرّّ الليل.
فجرٌ لايُوقظ العيونَ من أحلامها , ولكنه يُوقظُ الأرواحَ لأحلامها.
ويُلقي من سحرهِ على النجوم فلا تظهر حوله إلا مُستبهِمةً كأنها أحلامٌ مُعلّقة.
****************************** **********
أيُّها البحر, قد ملأتك قوة الله لتُثبتَ فرَاغ َ الأرضِ لأهل الأرض.
ليس فيكَ ممالكُ ولاحدود , وليس عليكَ سلطانٌ لهذا الإنسان المغرور.
وتجيش بالناس وبالسفُنِ العظيمة , كأنك تحملُ من هؤلاء وهؤلاء قشّاً
ترمي به.والاختراعُ الإنسانيُّ مهما عظُم لايُغني الإنسانَ فيكَ عن إيمانه.
ينزلُ الناس في مائكَ فيتساوَون حتى لايختلفُ ظاهرٌ عن ظاهر.
ويركبون ظهركَ في السفُن فيحنُّ بعضهم إلى بعضٍ حتى لايختلف
باطن عن باطن .
تُشعرهم جميعاً أنهم خرجو ا من الكرة الأرضية ...وتُفقرهم إلى الحبّ
والصداقة فقراً يُريهم النجومَ نفسها أصدقاء , إذ عرفوها في الأرض.
*****************
وإذا ركبكَ المُلحدُ أيها البحر , فَرجَفْتَ من تحتهِ , وهَدَرْتَ عليه وثُرتَ
بهِ, وأريتهُ رأي العين كأنه بين سماءين ستنطبقُ إحداهما على الأخرى
فتُقْفلان عليه - تركتهَ يتَطأطَأ ويتواضع , كأنك تهزُّه وتهزُّ أفكاره معاً
وتُدَحْرِجُهُ وتُدحرجُها.
وأطرتَ كلّ مافي عقله فيلجأ إلى الله بعقل طفل..
وكشفت له عن الحقيقة : أنّ نسيان الله ليس َ عمل العقل , ولكنهُ عملُ
الغفلة والأمنِ وطولِ السلامة.
************************
ألا ما أشبَه الإنسانَ في الحياة بالسفينة في أمواج هذا البحر!!
إن ارتفعت السفينة ُ , أو انخفضتْ , أو مادتْ , فليس ذلك منها وحدَها
بل مما حولها..
ولن تستطيع َ هذه السفينة ُ أن تملكَ من قانون ماحولها شيئاً , ولكن
قانونَها هي الثباتُ , والتوازنُ ,والاهتداء إلى قصدها , ونجاتُها في قانونها.
فلا يَعتِبَنَّ الإنسانُ على الدنيا وأحكامها , ولكن فليجتهد ْ أن يحكم نفسه))
ا.هــ بتصرف يسير.
يرون فيه مالا يرى سواهم..يحادثهم..يُناجيهم..يكون هم ويكونونه..
وكم طُعمّت كتب الأدب بدررٍ متناثرة..جمعت من عجائب البحر وأعماق
الفكر المتذوق المسبحُ مولاه سبحانه...
أترككم أحبتي مع الرافعي يحدثكُم عن البحر..وإياكم أن تكون منكم قراءة الحرف
عابرة..بل اقصروا النفوس على التأمل ..لاشك أنكم ستظفرون بالكثير من الكنوز..
****************************** ****************************** ***********
إذا احتَدَمَ الصيفُ , جعلتَ أنتَ أيُّها البحرُ للزمنِ فصلاً جديداً يُسمى(( الربيعَ المائي))
وتنتقلُ إلى أيامكَ أرواحُ الحدائق, فتُنبتُ في الزمن بعضُ الساعاتِ الشهيّة كأنها الثمرُ
الحُلوُ النَاضجُ على شجره.
ويُوحي لونُكَ الأزرقُ إلى النفوس ماكان يُوحيه لونُ الربيع الأخضر, إلا أنّهُ أرقُّ وألطف.
ويرى الشعراء في ساحلكَ مثلَ مايرونَ في أرض الربيع , أنوثةً ظاهرة , غيرَ أنها تلدُ
المعاني َ لاالنبات.
في الربيع , يتحرك في الدم البشريّ سرّ هذه الأرض ؛ وعندَ (( الربيع المائي)) يتحرك
في الدم سرّ هذه السُّحُب.
وبالربيعين الأخضرِ والأزرق ينفتحُ بابان للعالم العجيب : عالم ِ الجمال الأرضيّ الذي
تدخله الروحُ الإنسانية كما يدخل ُ القلب المُحب في شعاع ابتسامةٍ ومعناها.
في ((الربيع المائي)) ,يجلسُ المرء ,وكأنّهُ جالسٌ في سحابة ٍ لافي الأرض.
ويشعرُ كأنّهُ لابسٌ ثياباً منَ الظلِّ لامنَ القماش؛ ويجدُ الهواء قد تنزَّه عن أن
يكون هواء التراب.
وتخِفُّ على نفسهِ الأشياء , كأنّ بعضَ المعاني الأرضية انتُزعتْ من المادّة ...
.... وهنا يُدركُ الحقيقة : أنّ السرور َ إن هو إلا تنبُّهُ معاني الطبيعة في القلب.
*************************
وللشمس ِ هنا معنى جديد ٌ ليس هناك في (( دنيا الرزق)).
تُشرقُ الشمسُ هنا على الجسم ؛ أمّا هناك فكأنما تطلُعُ وتغرُبُ على الأعمال
التي يعملُ الجسمُ فيها.
تطلعُ هناك على ديوان الموظف لا الموظف, وعلى حانوت التاجر لاالتاجر, وعلى
مصنَع العامل , ومدرسة التلميذ ,ودار المرأة.
تطلع الشمس هناك بالنور , ولكنّ الناسَ- واأسفاه - يكونون في ساعاتهم المظلمة..
الشمسُ هنا جديدة , تُثبتُ أنّ الجديدَ في الطبيعة هو الجديدُ في كيفية شعور النفس به.
****************************
والقمرُ زاهٍ زفَّافٌ من الحُسن؛ كأنّهُ اغتسلَ وخرجَ من البحر.
أو كأنهُ ليس قمراً, بل هو فجرٌ طلّعَ في أوائل الليل ؛ فحَصرتهُ السماء في مكانه
ليستمرّّ الليل.
فجرٌ لايُوقظ العيونَ من أحلامها , ولكنه يُوقظُ الأرواحَ لأحلامها.
ويُلقي من سحرهِ على النجوم فلا تظهر حوله إلا مُستبهِمةً كأنها أحلامٌ مُعلّقة.
****************************** **********
أيُّها البحر, قد ملأتك قوة الله لتُثبتَ فرَاغ َ الأرضِ لأهل الأرض.
ليس فيكَ ممالكُ ولاحدود , وليس عليكَ سلطانٌ لهذا الإنسان المغرور.
وتجيش بالناس وبالسفُنِ العظيمة , كأنك تحملُ من هؤلاء وهؤلاء قشّاً
ترمي به.والاختراعُ الإنسانيُّ مهما عظُم لايُغني الإنسانَ فيكَ عن إيمانه.
ينزلُ الناس في مائكَ فيتساوَون حتى لايختلفُ ظاهرٌ عن ظاهر.
ويركبون ظهركَ في السفُن فيحنُّ بعضهم إلى بعضٍ حتى لايختلف
باطن عن باطن .
تُشعرهم جميعاً أنهم خرجو ا من الكرة الأرضية ...وتُفقرهم إلى الحبّ
والصداقة فقراً يُريهم النجومَ نفسها أصدقاء , إذ عرفوها في الأرض.
*****************
وإذا ركبكَ المُلحدُ أيها البحر , فَرجَفْتَ من تحتهِ , وهَدَرْتَ عليه وثُرتَ
بهِ, وأريتهُ رأي العين كأنه بين سماءين ستنطبقُ إحداهما على الأخرى
فتُقْفلان عليه - تركتهَ يتَطأطَأ ويتواضع , كأنك تهزُّه وتهزُّ أفكاره معاً
وتُدَحْرِجُهُ وتُدحرجُها.
وأطرتَ كلّ مافي عقله فيلجأ إلى الله بعقل طفل..
وكشفت له عن الحقيقة : أنّ نسيان الله ليس َ عمل العقل , ولكنهُ عملُ
الغفلة والأمنِ وطولِ السلامة.
************************
ألا ما أشبَه الإنسانَ في الحياة بالسفينة في أمواج هذا البحر!!
إن ارتفعت السفينة ُ , أو انخفضتْ , أو مادتْ , فليس ذلك منها وحدَها
بل مما حولها..
ولن تستطيع َ هذه السفينة ُ أن تملكَ من قانون ماحولها شيئاً , ولكن
قانونَها هي الثباتُ , والتوازنُ ,والاهتداء إلى قصدها , ونجاتُها في قانونها.
فلا يَعتِبَنَّ الإنسانُ على الدنيا وأحكامها , ولكن فليجتهد ْ أن يحكم نفسه))
ا.هــ بتصرف يسير.